الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها. أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها. وقال ابن جبير: الغاشية جهنم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾. أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار". * * * ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾. أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة. وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة. وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام. وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة". وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول. قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار". وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار". وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار". وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا. وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة. وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد. * * * وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم. * * * ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾. أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر. وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة. وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾. أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع. قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار". وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه]. وقال عكرمة: الضريع: الحجارة. وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته. وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق. وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦]. فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به. (وقيل): الغسلين من الضريع. وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين. ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم. فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾. أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته. * * * ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة. * * * ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. أي: رفيعة القدر عالية المكان. ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل. وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر. وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب. قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً. وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً. * * * ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول. فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين. وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار. وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث. * * * ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾. أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير. وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾. أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض. وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق". وقال قتادة: هي "الوسائد". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. قال أبو عبيدة: الزرابي البسط. وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة. وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة". قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم. وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾. قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار. وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية. وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾. أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم. * * * ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾. أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر. وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد. وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم. قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾. أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب. وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف. والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾. وهو عذاب جهنم في الآخرة. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.