الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.