الباحث القرآني

قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾. * * * قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، رفع القلوب عند سيبويه بـ: ﴿يَزِيغُ﴾، و ﴿كَادَ﴾، فيها إضمار الحديث. ويجوز أن ترفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. وقال أبو حاتم: من قرأ: ﴿يَزِيغُ﴾ بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع. والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإنابة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وكانوا أيضاً في قلة من الظَّهر وقلة من مال. قال مجاهد: أصابهم جَهْد شديد، حتى إنَّ الرجلين يشقان التمرة بينهما. * * * وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾. أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: اثبتوا على الإيمان. وقيل: المعنى: ثم فسح عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة. يقال: "تاب الله عليه"، أي: دعاه إلى التوبة، و "تاب عليه"، أي: وفقه للتوبة، و "تاب عليه" قَبِل توبته. * * * وقوله: ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]. أي: وإما يوفقهم للتوبة. وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه. وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلاع عن المعصية، وترك الإصرار. ﴿وَٱلأَنصَارِ﴾ وقف. * * * ثم قال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. أي: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فلم يفعلوا فعل أبي لُبابة وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نَطْعم ولا نَحُل حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يحلنا بتوبة من الله والثلاثة هم الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم. قال عكرمة وقتادة: خُلِّفُوا عن التوبة. وقرأ عكرمة: "خَلَفُوا" أي: أقاموا بِعَقِبِ رسول الله ﷺ. قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذروا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب. وقرأ جعفر بن محمد: "خَالَفُوا". * * * قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. أي: بسعتها، غمًّا منهم وندماً على تخلفهم عن رسول الله ﷺ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾. أي: بما نالهم من الكرب ﴿وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ﴾، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، ﴿إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾، أي: لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: هو الوهّاب لعباده الإنابة إليه، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل التوبة. والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، كلهم من الأنصار. وفي رواية: مُرارة بن الربيع. وفي أخرى: مُرارة بن ربْعي. وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك. وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع وثمانون رجلاً، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قُوما حتى يقضي الله فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، الآية [التوبة: ١٠٢]، وقال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، الآية. قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي ﷺ، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المُغْضَب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ، حضرني بَثِّي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إنِّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطِه بعذر، لقد أُعطيت جدلاً. ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قَطُّ أقوى ولا أيْسَر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أمَّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدراً، فكان لي فيهم أُسوة. وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله ﷺ، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي ﷺ، فأُكذِّب نفسي. ثم نهى رسول الله ﷺ، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكَنَّا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوفُ الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ، وهو في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام؟ ثم أفكر في غيره، ثم أبكي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عنِّي، ثم أمرني رسول الله ﷺ، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل. فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.