الباحث القرآني

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ﴾، إلى [قوله]: ﴿مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. * * * قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾. ﴿وَٱلَّذِينَ﴾: في موضع رفع عطف على الضمير في: "يأكلون"، فيكون التقدير: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب. وقيل: ﴿ٱلَّذِينَ﴾: في موضع رفع بالابتداء. ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ، وبما جاء به، إن كثيراً من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل ﴿ٱلأَحْبَارِ﴾: القراء: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾، ويأكلها معهم ﴿ٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ﴾، وذلك الرُّشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله عز وجل، يكتبون بأيديهم كتباً، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمناً قليلاً، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام. و "الكَنْزُ": كل مَالٍ وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ زكاته. * * * وقوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾. أي: لا يؤدون زكاتها. قال ابن عمر: كل ما مَالٍ أُدِّيتُ زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكلُّ مالٍ لم تُؤدّ زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفوناً. ورُوي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها "نفقة" فإن زادت فهو "كنز"، أدّيت زكاته أو لم تُؤد. قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤدِّ زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤدِّ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا. وقال عمر بن عبد العزيز: أراها مَنْسوخَةً بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. و "الكنْزُ" في كلام العرب: كل شيء جُمع بعضُه إلى بَعْضٍ. * * * قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾. ولم يقل: "يُنفقونهما"، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة. وقيل: إن الضمير يرجع على: "الأموال" التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل. وقيل: الضمير يعود على: "الفضة"، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و "يُنفقونه"، ثم حذف كما قال: ؎ نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنتَ بِمَا ∗∗∗ عِنْدكَ رَاضٍ.... وقيل الضمير: "للذهب"، وضمير "الفضة" محذوف، تقديره: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و "يُنفقونها"، والعرب تقول: "هي الذهب [الحمراء]"، فتؤنث. وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة. * * * وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: اجعل موضع البشارة لهم عذاباً أليماً، أي: مؤلماً، بمعنى مُوجع. وليس ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بتمام؛ لأن ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾، منصوب بـ: ﴿أَلِيمٍ﴾. و (الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾، فيه من الوجوه، ما في: ﴿يُنفِقُونَهَا﴾، وكذلك الضمير في ﴿بِهَا﴾. قال النبي ﷺ: "مَا مِن عَبْدٍ لا يُؤدّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا أُتِي بِهِ وبماله فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله بين عباده وقال ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾، قال حَيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به. وقال النبي ﷺ: "مَن ترك بعده كنزاً مَثَلَ له يوم القيامة شُجاعاً أَقْرَع له زَبِيبَتَانِ، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يُلْقِمَه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.