الباحث القرآني

قوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية. * * * قوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، منصوب عند الأخفش على حذف: "على". وقد حكى سيبويه: ضُرب الظهر والبطن، أي: "على"، فنصب لما حذف "على". ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: "قَعَدْتُ لّهُ كُلَّ مَذْهَبٍ". أي في كل مذهب. والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم. ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾، أي: أسروهم، والعرب تسمي "الأسير": أخِيذاً، ﴿وَٱحْصُرُوهُمْ﴾، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين، وأصل "الحصر": المنع (والحبس)، ﴿وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، أي: طالبوهم في كل طريق. ﴿فَإِن تَابُواْ﴾، أي: رجعوا عن الشرك، ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾، أي: أدوها بحدودها، ﴿وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم ، ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، ﴿رَّحِيمٌ﴾، أن يعاقبه على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة]. روى أنس عن النبي ﷺ، أنه قال: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله عز وجل، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راض و ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان بـ: "براءة" كان يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلاً بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تالياً قيل: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾. وقال السدي: ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾ هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر. وسميت "حُرُماً"؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم. وقال مجاهد: ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾، هنا هي: الأربعة التي قال الله عز وجل: ﴿فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]. وهو قول السدي. ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا. وسماها "حُرُماً"؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها. وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: ٤]. وهو قول عطاء. وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾، ولا يجوز أن يمنّ على أسير ولا يُفادى، وقد روي مثله عن مجاهد. وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان. أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمنّ، وإما للفداء، وأمر ثَمَّ، إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله ﷺ: قتل الأساري، وفادى ببعض، ومنَّ على بعض، وذلك يوم بدر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.