الباحث القرآني

قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة. قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم. ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منكم: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم. و "الجَمْحُ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر. قال ابن عباس: "المَلْجَأُ" الحِرْزُ في الجبل. وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السَّربُ. وواحد المغارات: "مغارة"، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه. وأجاز الأخفش: "مُغارات"، من: "أَغَارَ يُغِيرُ"، كما قال: ؎ الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ∗∗∗ ................. وواحدها "مغارة" وجمعها "مغاور". وَقَرأ عيسى بن عمر، والأعمش: "أوْ مُدَّخَّلاً" بتشديد "الدال" و "الخاء"، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول. وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل. وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من "أدخل. وفي حرف أُبيّ: "مُدَخَّلاً" بتخفيف "الدال" وتشديد "الخاء". ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها. يقال: "لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ"، لغتان. والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير. و "الهُمَزَة اللُّمَزَة": العياب للناس. وقيل: "الهُمَزَةُ": الذي يشير بعينه، و "اللُّمَزَة": الذي يعيب في السر. * * * وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾. أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها. قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها. وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك. قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.