الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.