الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.