الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.