الباحث القرآني

قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة. أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك. * * * ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾. ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها. والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]. * * * وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط. قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش. * * * ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه. * * * ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾. قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به! ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل. قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا. فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾. ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها. ["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول. وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى". * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾. أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به. * * * ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾. روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي. فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل. والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟! والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا. * * * وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾. أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟! * * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾. أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟! * * * ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه. * * * ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾. [أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟! * * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾. قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه. وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين. ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر. * * * وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه). يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها. وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه. وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. [واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد. [واللام] في "لنسفعاً": لام قسم. ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها. * * * ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته. روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته. قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره". وقال قتادة: عشيرته. والنادي والندي: المجلس. والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية. وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن. وقال الأخفش: واحدهم: زباني. وقال الكسائي: واحدهم: زبني. قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء". * * * ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾. أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود. وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾. ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني. هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب