الباحث القرآني

قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها. معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن. قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق. وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا. وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم. وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك. * * * وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال. * * * وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن. * * * ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها. * * * ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾. أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾. أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ. ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان. قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة. قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك". وقال الضحاك: هو الحج. وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره. وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال. * * * ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾. أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله. روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا. * * * ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾. أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك. وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون. * * * ﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾. أي: هم شر من خلق الله. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. [أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله. قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين. وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]. أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة. وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم. وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون. وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض. [ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله. * * * ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾. أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب. * * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.