الباحث القرآني

ممَّا قصدنا له قوله عزوجل: ﴿بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ قال أكثر البصريين: المعنى: أولُ ما افتتح بـ "بسم اللهِ" وأوَّل كلامي "بِسمِ اللهِ". قال سيبويه: معنى الباء: الإلصاق. قال الفراء: موضع الباءِ نَصْبٌ، والمعنى: بدأتُ باسمِ اللهِ، وأبدأُ باسم الله. وفي اشتقاق "اسم" قولان: أحدهما: من السُّمُوِّ، وهو العُلُوِّ، والارتفاعُ، فقيل: اسمٌ لأَنَّ صاحبَه بمنـزِلة المرتفِعِ بهِ. وقيل: وهو من وَسَمْتُ، فقيل: اسمٌ لأنَّه لصاحبه بمنـزلة السِّمَةِ، أي يُعْرفُ به. والقول الثاني خطأ، لأنَّ السَّاقطَ منه لامُه، فصحَّ أنه من سَمَا يَسْمُو. قال أحمد بن يحيى: يُقال: سِمٌ، وسَمٌ، ويُقال: إِسْمٌ بكسر الألف، ويُقال: بضمِّها. فمن ضمَّ الألف أخذه من سموتُ أسمو. ومن كسر أخذه من سَمَيْتُ أسمي. قال الكسائي والفَرَّاءُ: معنى "بسمِ اللهِ" باسم الإِله، وتركوا الهمزة وادغموا اللاَّم الأولى في الثانية، فصارت لاماً مشددةَ، كما قال جلَّ وعز ﴿لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾ ومعناه: "لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي" كذلك قرأها الحسن. ولسيبويه في هذا قولان: أحدهما: أن الأصل إلهٌ، ثم جيء بالألف واللام عوضاً من الهمزة، وكذلك الناسُ عنده الأصلُ فيه أناسٌ. والقول الآخر: هو أيضاً قول أصحابه، أن الأصل لاَهٌ، ثم دخلت عليه الألفُ واللامُ، وأنشدوا: لاَهِ ابنُ عَمِّكَ لاَ أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ * عَنِّي وَلاَ أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي ويُسألُ عن التكرير في قوله عزوجل: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾. فرُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿الرَّحْمٰنُ الرَّحِيـمُ﴾ اسمان رقيقان، أحدهما ارقُّ من الآخر، فالرحمنُ الرَّقيقُ، والرَّحيمُ العاطفُ على خلقه بالرزق. قال محمد بن كعب القُرَظي: "الرَّحمنُ" بخلقه "الرحيم" بعباده فيما ابتدأهم به، من كرامته، وحُجَّته. وقال عطاء الخرساني: كان الرحمن، فلما اختزل الرحمنُ من أسمائه صار "الرحمن الرحيم". وقال العَرْزَمِي: "الرحمن" بجميع الخلق "الرحيم" بالمؤمنين. وقال أبو عبيدة: هما من الرحمة. كقولهم: ندمان ونديم. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. وهذا قولٌ حسنٌ، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد. والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضّلٌ بعد تفضِّلٍ، وإنعامٌ بعد إنعام، وتقويةٌ لمطامع الداعين، ووعدٌ لا يخيب آمله. وقول العَرْزَمِيِّ أيضاً حسن، لأنَّ "فَعْلاَن" فيه معنى المبالغة، فكأنه - والله أعلمُ - الرحمنُ بجميع خلقه، ولهذا لم يقع إلاَّ للَّهِ تعالى، لأن معناه: الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيءٍ. ولهذا قُدِّم قبل "الرحيم". وصار "الرحيمُ" أولى من الراحم، لأن "الرحيم" ألزمُ في المدح، لأنه يدل على أن الرحمةَ لازمة له، غيرُ مفارقةٍ، والرَّاحمُ يقع لمن رحمَ مرَّةً واحدة. وقال أحمد بن يحيى: "الرحيمُ" عربيٌّ، و"الرَّحْمَنُ" عبرانيٌّ، فلهذا جُمع بينهما. وهذا القولُ مرغوبٌ عنه. ورَوَى مطرٌ عن قتادة في قوله: ﴿بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ قال: مَدَح نفسَهُ. وهذا قول حسن. قال أبو العباس: النَّعْتُ قد يقع للمدح، كما تقول: قال جريرٌ الشَّاعر.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.