الباحث القرآني

قولُه تعالى: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ الفرقُ بين الحمد والشكر: أنَّ الحمدَ أعمُّ لأنه يقع على الثناء، وعلى التحميد، وعلى الشكرِ والجزاء. والشكر مخصوصٌ بما يكون مكافأةً لمن أوْلاكَ معروفاً، فصار الحمدُ أثبتَ في الآية، لانه يزيد على الشكر. ويُقال: الحمدُ خبرٌ، وسبيلُ الخبرِ أن يُفيد، فما الفائدة في هذا؟ والجوابُ عن هذا: أن سيبويه قال: إذا قال الرجل: الحمدُ للهِ بالرفع، ففيه من المعنى مثلُ ما في قوله: حِمْدتُ الله حَمْداً، إلاّ أن الذي يرفعُ الحمدَ، يُخْبِر أنَّ الحمد منه، ومن جميع الخلق لله تعالى، والذي ينصبُ الحمدَ، يخبر أن الحمد منه وحدَه لله تعالى. قال ابن كيسان: وهذا كلام حسنٌ جداً، لأن قولك: الحمدُ للهِ مَخْرجُهُ في الاعراب، مَخْرج قولك: المالُ لزيدٍ، ومعناه: أنك أخبرتَ به وأنت تعتمد أن تكون حامداً، لا مُخبراً بشيءٍ، ففي إخبار المخبرِ بهذا، إقرار منه بأن الله تعالى مستوجبُهُ على خلقه، فهو أحمد من يَحمده، اذا أقَّر بأن الحمد له، فقد آل المعنى المرفوع الى مثل معنى المنصوب، وزاد عليها بأن جعل الحمد الذي يكون عن فعلِه، وفعل غيره لله تعالى. وقال غير سيبويه: إنما يُتكلم بهذا تعرضاً لعفو الله تعالى ومغفرته وتعظيماً له وتمجيداً، فهو خلاف معنى الخبر، وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: "من شُغِلَ بذكري عن مَسْأَلَتي، أعطيتُه أفْضَل ما أُعطي السائلين". وقيل: إن مَدْحه نفسه جلَّ وعز وثناءه عليه، ليُعلم ذلك عباده، فالمعنى على هذا: قولوا: الحمد لله. وإنما عِيبَ مدحُ الآدمي نفسه لأنه ناقص، وإن قال: أنا جوادٌ فثمَّ بُخْلٌ، وإن قال: أنا شُجاع فَثَمَّ جُبنٌ، والله تعالى مُنَـزَّه من ذلك، فإن الآدمي إنما يمدح نفسه ليجتلب منفعة، ويدفع مضرَّة، والله تعالى غنيٌّ عن هذا. * وقوله جل وعز: ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. قال أهلُ اللغة: الربُّ: المالكُ وأنشدوا: وَهُوَ الرَبُّ والشَّهِيدُ عَلَى يَوْ * مِ الحِيَارَيْنِ وَالبَلاءُ بَلاَءُ وأصل هذا أنه يُقال: رَبَّه، يَرُبُّه، رَبَّاً، وهو رَابٌّ، وربٌّ: إذا قام بصلاحه. ويُقال على التكثير: رَبَّاه وربَّبَهُ، ورَبَّتَه. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ قال: الجنُّ والانسُ. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجنُّ عَالَم، والإنس عالم، وسِوَى ذلك، للأرض أربعُ زوايا في كل زاوية ألف وخمس مائة عَالَمٍ خلقهم الله لعبادته. وقال أبو عبيدة: ﴿ربُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي المخلوقين. وأنشد العجاج: "فخندفٌ هامةُ هذا العالم". والقول الأول: أجلُّ هذه الأقوال، وأعرفها في اللغة لأن هذا الجمع إنما هو جمعُ ما يعقل خاصة. و "عالمٌ" مشتقٌّ من العلامة. وقال الخليل: العَلَمُ، والعَلامةُ، والمَعْلَمُ، ما دلَّ على الشيء، فالعالَم دالّ على أنَّ له خالقاً ومدبِّراً.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.