الباحث القرآني

وقوله جل وعز ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾. في هذا أجوبةٌ: منها: أن العَرَبَ خُوطبت على ما تعرف وتستعمل، وهم يقولون: لا أكلمك ما اختلف اللَّيلُ والنَّهارُ، وما دامتِ السماواتُ والأرضُ، يريدون بذلك: الأبَدَ. ويكون معنى ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ سوى ما شاء ربك، من زيادةِ أهلِ النَّار في العذاب، وأهل الجنَّةِ في النعيم، وقد صحَّ أنهم يُزادون. رَوى الأعمشُ عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: قال الله جل وعز: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لاَ عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قلب بشر، بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ" ثم قرأ أبو هريرة ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وقيل: معنى (إلاَّ) معنى "سوى" أيضاً، إلاَّ أن المعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة في الخلود. وهذان قولان حسنان، لأنه معروف في اللغة أن يقال: لك عندي كذا وكذا، إلاَّ كذا، وسوى كذا، وغيرَ كذا. وحكى سيبويه: "لو كان معي رجل إلا زيدٌ" فهذا بمعنى: سِوَى، وغيرَ. وحكى الكوفيون: لك عندي ألفٌ إلاَّ ألفين، ويُعبَّر عن "إلاَّ" في مثل هذا، أنها بمعنى "سوى، وغير، ولكن" والمعاني متقاربة. وقيل: هذا استثناء، لأنهم يقيمون في قبورهم، فالمعنى على هذا ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ من مقامهم في قبورهم. وقيل: هذا استثناء، لأن قوماً من الموحِّدين يدخلون النار، ثم يخرجون منها. فالمعنى على هذا: خالدين في النار ﴿مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ من إخراج من شاء برحمته، وشفاعة النبي ﷺ. وقال جابر بن عبدالله في قوله عز وجل ﴿عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ إنه الشفاعة. ويكون المعنى في أهل الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ من دخول قومٍ النار، وخروجهم إلى الجنة. حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا أحمد بن داود بن موسى البصري، المعروف بالمكي، قال: نا شيبانُ بن فَرُّوخ قال: نا أبو هلال، قال: نا قتادةُ في هذه الآية ﴿وَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ غلى قوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فقال عند هذا: حدَّثنا أنسُ ابنُ مالكٍ أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج قوم من النار" قال قتادة: لا نقول كما يقول أهل حروراء. وقيل: في هذا قول خامس وهو أن المعنى: خالدين فيها أبداً، ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ فخاطبهم على ما يعرفون من الاستثناء، وردَّ الأمرَ إلى الله جلَّ جلاله، كما قال تعالى ﴿لَتَدْخُلَنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ وقد بَيَّن هذا بقوله ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قال مجاهد: أي غير مقطوع. قال أبو جعفر: وذلك معروفٌ في اللغة، يقال: جَذَذْتُ الشَّيءَ: أي قطعته. وقد قيل في هذه الآية قول سادس: يكونُ الاستثناء لمُقَامهم في عَرْصَةِ القيامة. وقال قتادة: تُبدَّل هذه السماءُ وهذه الأرضُ. فالمعنى: خالدين فيها ما دامت تلمك السماءُ، وتلك الأرض المبدَّلتان من هاتين.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.