الباحث القرآني

وقوله جل وعز ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾. قال عبدالله بن شدَّاد: كان أحدهم يمرُّ بالنبي ﷺ فيثني صدرَه، ويتغشَّى ثوبَه، كراهةَ أن يراه النبي ﷺ. وقال أبو رَزينٍ: كان الرجلُ يضطجع على شِقِّه، ويتغشَّى ثوبه ليستخفي. وقال مجاهد: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شكَّاً وامتِراءً ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ أي من الله إن استطاعوا. وقال الحسن: يعني حديثَ النفس، فأعلَمَ اللهُ جلَّ وعزَّ أنهم حين يستغشون ثيابهم في ظلمة الليل، وفي أجواف بيوتهم، يعلم تلك الساعة، ما يُسرُّون وما يُعلنون. قال أبو جعفر: وهذه المعاني متقاربةٌ، أي يُسِرُّون عداوةَ النبي ﷺ ويطوون. ومن صحيح ما فيه ما حدَّثناهُ عليُّ بنُ الحُسَيْنِ، قال: قال الزعفرانيُّ: حدثنا حجَّاجُ، قال ابنُ جريج أخبرني محمَّد بنُ عَبَّاد بن جعفر، أنه سمع ابنَ عباس يقرأ: ﴿أَلاَ إنَّهُمْ تَثْنَوْني صُدُورُهُمْ﴾ قال: سألتُه عنه فقال: "كان ناسٌ يستحيون أن يتخَلَّوْا، فيُفْضُوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم". ويُرْوَى أن بعضهم قال: أغلقتُ بابي، وأرخيتُ سِتري، وتغشَّيْتُ ثوبي، وثَنَيْتُ صدري فمن يعلم بي؟ فأعلمَ اللهُ جلَّ وعزَّ أنه يعلم ما يُسرّون وما يعلنون. ونظيرُه ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾. ومن قرأ ﴿تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ﴾ وهي قراءة ابن عباس، ذهب إلى معنى التكثير، كما يقال: احْلَوْلَى الشيء، وليست تَثْنَونِي حتى يُثنوها، فالمعنى يَؤُولُ إلى ذاك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.