الباحث القرآني

وقوله جل وعز ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال أبو جعفر: الذي عليه أهل الحديث والمتقدمون أنه همَّ بها حتَّى مُثِّل له يعقوب ﷺ. حدثنا أحمد بن عبدالجبار قال نا داود بن عمرو الضَبِّي عن نافع - وهو ابن عمر الجُمْحِي - عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: سُئل ابن عباس رحمه الله: ما بَلَغ من هُموم يوسف؟ فقال: جلس يحِل هِمْيَاناً له فنودي يا يوسف: لا تَكُ كالطائر يزني وعليه الريش، فيقعد بلا ريش، فلم يتَّعِظْ على النداء فرأى برهان ربِّه ففرَّ وفَرِقَ. وفي رواية ابن جريج عن ابن أبي مُليكة قال: سألتُ ابن عباس عمَّا بلغ من هموم يوسف؟ فذكر نحوه، إلاَّ أنه قال: جلس بين رِجْلَيها، ورأى يعقوب ﷺ. وروى الأعمش عن مجاهد قال: حلَّ سراويله فتمثَّل له يعقوبُ، فقال له: يا يوسفُ، فولَّى هارباً. وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: مُثِّل له يعقوبُ، فضَرَبَ صدرَهُ، فخرجت شهوته من أنامِلِهِ. وروى إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن قال: رأى صورةَ يعقوبَ يقول له: يوسفُ، يوسفُ. قال أبو صالح: رأى صورة يعقوب في سقف البيت يقول: يا يوسفُ، يا يوسفُ. وقال الضحاك نحواً من هذا. قال أبو عُبيد "القاسم بن سَلاَّم": وقد زعم بعض من يتكلم في القرآن برأيه أن يوسف ﷺ لم يهمَّ بها، يذهبُ إلى أن الكلامَ انقطَعَ عند قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ قال: ثم استأنف فقال: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بمعنى: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، واحتجَّ بقوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ﴾ وبقوله ﴿وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ وابنُ عباس ومن دُونه لا يختلفون في أنه همَّ بها، وهمْ أعلمُ باللهِ، وبتأويل كتابه، وأشدُّ تعظيماً للأنبياء، من أن يتكلموا فيهم بغير علم. قال أبو جعفر: وكلامُ أبي عُبيد هذا، كلامٌ حسنٌ بَيِّنٌ لمن لَمْ يَمِلْ إلى الهوى، والذي ذكر من احتجاجهم بقوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ﴾ لا يلزمُ، لأنه لم يواقع المعصية. وأيضاً فإنه قد صحَّ في الحديث أن جبريل ﷺ قال له حين قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وَأنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ﴾: ولا حين هَمَمْتَ؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إن النَّفْسَ لأَمَّارةٌ بالسُّوءِ﴾. وكذلك احتجاجهم بقوله ﴿وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ لا يلزم، لأنه يجوز أن يكون هذا بعد الهُمُوم. وقال الحسن: إنَّ اللهَ جلَّ وعز، لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيِّرهم بها، ولكنَّه ذكرها لئلا تيأسُوا من التوبة. وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ﴾ أنه شيءٌ يخطر على القلب، كما قال النبي ﷺ "من هَمَّ بسيئةٍ ثم لم يعملْها لم تكتب عليه"، فهذا مما يخطر بالقلب، ولو همَّ بها على أنه يواقعها لكان ذلك عظيماً. وفي الحديث: "إني لأستغفر الله جلَّ وعزَّ في اليوم والليلة مائة مرَّة". قال أبو جعفر: وقد بيَّنا قولَ من يُرجَعُ إلى قوله من أهل الحديث والروايات. وأهلُ اللغةِ المحققون على قولهم. قال أبو إسحاق: يبعد أن يقال: ضربتك لولا زيدٌ، وهممتُ بك لولا زيدٌ، وإنَّما الكلام لولا زيدٌ لهممتُ بك، فلو كان "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ"، "ولَهَمَّ بِهَا لولا أن رأى برهان ربه" لجاز على بُعدٍ، وإنَّما المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما همَّ به. وقال بعض أهل اللغة: المعنى: وهمَّ بدفها. وقوله جلَّ جلاله ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ﴾. السُّوءُ: خيانةُ صاحبه، والفحشاءُ: ركوبُ الفاحشة. حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال: نا محمد بن إبراهيمَ بن جَنَّاد قال: نا الحسن بن عبدالعزيز الجَرَوي قال: حدثني أبو مروانَ - وأثنى عليه خيراً - قال: حدثني عبدالرحمن بن يزيد بن جابر في قول الله جل وعز ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ﴾ قال: السُّوءُ: الثناءُ القبيح، والفحشاءُ: الزِّنا.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.