الباحث القرآني

وقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. قال ابن عباس: قال الكفَّارُ للنَّبِيِّ ﷺ: سيِّرْ لَنَا الجبالَ، قَطِّعْ لنا الأرضَ، أحْيِي لنا الموتَى. وقال مجاهد: قالوا للنَّبيِّ ﷺ: بعِّد لنا هذه الجبال، وادْعُ لنا أن يكون لنا زرعٌ، وقرِّبْ منَّا الشَّامَ فإنَّا نَتَّجِرُ إليه، وأحيي لنا الموتى. قال قتادة: قالت قريش للنَّبيِّ أحْيي لنا الموتى، حتى نسألهم عن الذي جئتَ به، أحقٌّ هو؟ فأنزلَ اللهُ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. قال: لو فُعِل هذا بأهل الكتاب لفُعِل بكم. وهذه الأقوال كلُّها توجب أنَّ الجوابَ محذوفٌ، لعلم السامع؛ لأنهم سألوا فكان سؤالهم دليلاً على جواب (لو). ونظيرُه: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أوْ آوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. وقال الشاعر: فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ سَوِيَّةً * وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا فحذِف جوابُ (لو)، أي لَتَسَلَّتْ. وفي الحذف من الآية قولان: أكثرُ أهل اللغة يذهب إلى أنَّ المعنى: ولو أنَّ قرآناً سُيِّرَت به الجِبالُ، أو قُطِّعت به الأرضُ، أو كُلِّم به المَوْتَى، لكانَ هذا القرآن. وقال بعضهم: المعنى: لو فُعِلَ بهم هذا لَمَا آمنُوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمْ المَلاَئِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشَاءَ اللهُ﴾. قال أبو جعفر: [وقيل: في الكلام] تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ولو أنَّ قرآناً سُيِّرت به الجبالُ، أي وهم يكفرون ولو وَقَعَ هذا. وقوله جلَّ وعزَّ ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾. قال أبو جعفر: في هذه الآية اختلافٌ كثير. روى جرير بنُ حازمٍ عن يَعْلَى بن حكيمٍ، وعكرمةُ عن ابنِ عبَّاس أنه قَرَأ ﴿أفَلَمْ يَتَبَيَّن الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُخْتَصَرٌ. وفي كتاب خارجةَ أنَّ ابن عبَّاس قرأ ﴿أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. وروى المنهال بن عُمير عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ أي أفلم يعلم. وأكثرُ أهل اللغة على هذا القول. وممن قال به أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة، قال سُحَيْم بن وثيل: أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي * ألَمْ تَيْأَسُوا أنِّي ابنُ فَارِسِ زَهْدَمِ ويُروى: إذْ يأسِرونني. فمعنى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ ألم يعلموا. وروى معاوية بن صالح بن عليِّ بنِ أبي طلحة عن ابنِ عبَّاس في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ قال: أفلم يعلم. وفي الآية قول آخر: قال الكسائي: لا أعرفُ هذه اللغة، ولا سمعتُ مَنْ يَقولُ: يئستُ بمعنى علمتُ، ولكنه عندي من اليأس بعينه، والمعنى: إنَّ الكفار لمَّا سألوا تسيير الجبال بالقرآن، و تقطيعَ الأرض، وتكليمَ الموتى، اشْرَأَبَّ لذلك المؤمنون وطمعوا في أن يُعْطَى الكفارُ ذلك فيؤمنوا، فقال اللهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ أي أفلم ييأس الَّذِينَ آمنُوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أنَّ الله لو أراد أنْ يهديهم لهداهم، كما تقول: قد يئستُ من فلانٍ أن يُفلح، والمعنى: لعلمي به. * وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾. قال ابن عباس: يعني السَّرَايا. وكذلك قال عكرمة وعطاء الخراساني إلاَّ أن أبا عاصم روى عن شبيب عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: النكبة. وقال مجاهد: قارعة أي سريّة ومصيبة تصيبهم. والقارعة في اللغة: المصيبةُ العظيمة. * ثم قال جلَّ وعز ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾. قال مجاهد وعكرمة وقتادة: أو تحلُّ أنت يا محمد قريباً من دارهم. حدثنا سعيد بن موسى بقَرْقيسيا قال: حدثنا مخلد بن مالك عن محمد بن سَلَمَة عن خُصَيف قال: القارعةُ: السَّرَايا التي كان يبعث بها رسول الله، أو تحلُّ أنتَ يا محمد قريباً من دارهم. قال الحسن: أو تحلُّ القارعة قريباً من دارهم. * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ﴾. قال مجاهد وقتادة: أي فتح مكة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.