الباحث القرآني

وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍٍ﴾. فيه قولان: أحدهما: رواه معاويةُ بن صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحة، عن ابن عباس قال: الصَّلْصَالُ: الطِّينُ اليابسُ. ورَوَى مَعْمر عن قتادة: هو الطينُ ييبس، فتصيرُ له صَلْصَلةٌ. والقولُ الآخر: رواه ابنُ نجيحٍ، وابنُ جريح، عن مجاهد قال: الصلصالُ: المنتِنُ. وقال أبو جعفر: والقولان يحتملان، وإن كان الأول أبينُ لقول الله جل وعز: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ﴾. وحكى أبو عبيدةَ أنه يُقال للطين اليابس: صَلْصَالٍ ما لم تاخذه النار، فإذا أخذته النار فهو فخار. وأنشد أهل اللغة: * "كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجَوَّالِ" * والصَّلصلةُ: الصَّوتُ. وقال الفراء: هو طين حرٌ يخلط برملٍ، فيُسمع له صلصلة. وأما القول الثاني: فالأصل فيه صِلاَلٌ، ثم أُبدل من إحدى الَّلامين صاد. [وحكى الكسائي أنه يقال: صلَّ اللحمُ، وأصلَّ: إذا أنتَنَ]. * ثم قال جل وعز: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾. [فالحمأ، والحمأة: الطِّينُ] الأسود المتغير. وفي المسنون أربعة أقوال: رَوَى سفيان عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المسنون: المنتن. وكذلك روى قيس بن الربيع عن الأعمش عن مسلم عن سعيد ابن جبير قال: خُلقَ الإِنسانُ من صلصال من طين لازب، وهو الجيد، ومن حَمَإٍ مسنون وهو المنتن. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو المنتنُ. وذهب إلى هذا القول من أهل اللغةِ الكسائيُّ، وأبو عمروٍ الشيباني، وزعم أبو عمروٍ الشيباني أن قول الله ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من هذا، وأن الأصل فيه (لَمْ يَتَسَنَّنْ) فأبدل من إحدى النونين هاءً، فهذا قولٌ. والقولُ الآخر: وهو مذهب أبي عبيدة أن المسنونَ: المصبوب. ورَوَى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال المسنونُ: الرَّطبُ. فهذا بمعنى المصبوب، لأنه لا يكون مصبوباً إلاَّ وهو رطب، وهذا قول حسنٌ لأنه يقال: سَننْتُ الشَّيءَ أي صببتُهُ، وفي الحديث "إنَّ الحسن كان يَسُنُّ الماء على وجههِ سنَّاً" ولو كان هذا من أَسِنَ الماءُ لكان مؤسِناً. والقول الثالثُ: قول الفراء وهو المحكوك، ولا يكون إلاَّ متغيراً، من سننْتُ الحديدَ. والقولُ الرابع: أنه المصبوبُ على مثالٍ وصورة، من سُنَّةِ الوجه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.