الباحث القرآني

وقولُه جلَّ وعز ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾. في هذه الآية خمسةُ أقوال: أ- قيل وُرُودُها: دخولُها، لأنَّ بعدَهُ ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمينَ فِيهَا﴾. وإنما يقال ﴿نَذَرُ﴾ لِمَا حَصَل، فينجيَّ اللهُ الذين اتَّقَوْا، ويصيرون إلى رحمتهِ، فيعْرِفون مقدار ما خُلِّصوا منه، لأنهم قد دخلوا النَّارَ وخُلِّصُوا منها، وهذا قولُ ابن عباس، وإسناده جيِّدٌ. روى سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ عن عمروٍ بنِ دينارٍ، قال: تَمَارَى ابنُ عباس ونافعُ بنُ الأَزْرقِ، فقال لنافع: ليس الورودُ الدخولُ، وقال ابن عباس: هو الدخول أرأيت قولَ الله تعالى ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟ أَوَردُوا أم لا؟ وقوله تعالى ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ فأمَّا أَنَا وأنتَ فسنَرِدُها، وأرجو أن يخرجني الله منها، ولا يخرجكَ منها لتكذيبك فقال له نافع: ﴿رَبَّنَا إنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه﴾. رَوَى مَعْمرٌ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات له ثلاثةٌ لم يبلغوا الحِنْثَ، لم تمسَّه النَّارُ إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَم". يعني الورود. ب- وقيل: يردها المؤمنون وهي جامدة. روى سفيان عن ثور بن يزيد عن خالد بنِ معدان قال: "إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قالوا يا رب: ألمْ توعدنا أنَّا نَرِدُ النَّار؟ فيقول: قد وردتموها وهي جامدة". ج- وقيل: يعني القيامة. د- وقيل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، يُراد به المشركون، واستدل صاحب هذا القول بأن عمر بن الوليد روى عن عكرمة أنه قرأ ﴿وَإِنْ مِنْهُم إِلاَّ وَارِدُهَا﴾. هـ- والقولُ الخامس: أنَّ ورودَها بلاغُها، والممرَّ بها. رَوَى معمرٌ عن قتادةَ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلاَّ وارِدُهَا﴾ قال: الممرُّ بها. ورَوَى الحسنُ بن مسلم، عن عُبيدِاللهِ بنِ عُمَيْرٍ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُهَا﴾. قال: حضُورها. فهذه خمسةُ اقوال، والله أعلمُ بما أرادَ، إلا أنه معروفٌ في كلامِ العرب، أن يُقال: ورَدْتُ كَذَا أي بَلَغْتُهُ، ولم أدخله، قال زهير: فَلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقَاً جِمَامُهُ * وَضَعْنَ عِصِيَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّمِ وقرأ أُبيُّ بنُ كعب ﴿ثُمَّ نُنَحِّي الِّذِينَ اتقوْا﴾ أي في ذلك الموضع. قال أبو جعفر: وأبينُ ما في هذه الأقوال، قولُ من قال: ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وارِدُهَا﴾: إنَّها القيامةُ، وقولُه ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يدلُّ على ذكرِ القيامةِ، فكنى عنها كذا. وكذلك ذكر جهنم، يدلُّ على القيامة، لأنها فيها، واللهُ جلَ وعز يقول: ﴿لاَ خَوفٌ عَلَيهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾ فيبعدُ أن يكون مع هذا دخولُ النار. وقرأ ابن عباس: ﴿ثُمَّ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا، ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيَّاً﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.