الباحث القرآني

سورة البقرة، وهي مدنية، من ذلك: قوله تعالى: ﴿الۤمۤ﴾. اختلف أهلُ التفسير، وأهلُ اللُّغةِ في معنى ﴿الۤمۤ﴾ وما أشبهها. قال: فحدثنا عبدالله بن إبراهيم البَغداديُّ بالرَّمْلَة قال: حدثنا حفصُ بن عمر بن الصباح الرَّقِّي أبو عمروٍ، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا شريكٌ عن عطاءٍ، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الۤمۤ﴾ قال: أَنَا اللهُ أعلمُ ﴿الۤمۤ﴾ أنا اللهُ، أَرَى ﴿الۤمۤصۤ﴾ أنا اللهُ، أَفْصِلُ. وروى أبو اليقظان عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، مثلَهُ. وشرحُ هذا القول إن الألف تؤدِّي عن معنى "أنا" واللاَّم تؤدِّي عن اسم الله جل وعز، والميم تؤدي عن معنى "أعلم". ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول، ويقول: أذهب إلى أنَّ كل حرف منها يؤدِّي عن معنى. وحدثنا بكر بن سَهْلٍ قال: حدثنا أبو صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الۤمۤصۤ﴾ و ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ و ﴿طه﴾ و ﴿طسۤ﴾ و ﴿طسۤمۤ﴾ و ﴿يسۤ﴾ و ﴿صۤ﴾ و ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ و ﴿قۤ﴾ و ﴿نۤ وَٱلْقَلَمِ﴾ وأشباه هذا، هو قَسَمٌ أقسمَ الله به وهنَّ من أسماءِ الله تعالى. وروى ابن عُلية عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة قال: ﴿الۤمۤ﴾ قسم. وحدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة، في قول الله تعالى: ﴿الۤمۤ﴾، قال: اسمٌ من أسماء القرآن. ورُوِيَ عن مجاهد قولان: قال أبو عُبيد: حدثنا أبو مهدي عن سفيان عن خُصَيف او غيره - هكذا قال عن مجاهد - قال: في كلِّه، هي فواتِح السور. والقولُ الآخر: حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال: حدثني محمد بن بحر، قال: حدثنا موسى عن شبل عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد قال: ﴿الۤمۤ﴾ اسمٌ من أسماء القرآن. قال أبو العباس - وهو اختياره - رُوي عن بعض أهل السلف أنه قال: هي تنبيه. وقال أبو عبيدة والأخفش: هي افتتاح كلام. وقطربٌ يذهب الى انها جيء بها لأنهم كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا ﴿الۤمۤ﴾ و ﴿الۤمۤصۤ﴾ استنكروا هذا اللفظ، ولما انصتُوا له ﷺ أقبل عليهم بالقرآن المؤلف ليثبت في أسماعهم وآذانهم، ويقيمَ الحجَّةَ عليهم. وقال الفراء: المعنى هذه الحروف يا محمد ذلك الكتاب. وقال أبو إسحاق: ولو كان كما قال: لوجب أن يكون بعده أبداً ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ﴾ أو ما أشبهه. وهذه الأقوال يَقْرُب بعضها من بعض، لأنه يجوز أن تكون أسماء للسُّورة، وفيها معنى التَّنبيه. فأمَّا القَسَم فلا يجوز، لعلَّةٍ أوجبتْ ذلك من العَرَبية. وأُبينُ هذه الأقوال: قولُ مجاهد الأول: إنها فواتح السور، وكذلك قول من قال: هي تنبيه، وقول من قال: هي افتتاح كلامٍ، ولم يَشْرحوا ذلك بأكثر من هذا، لانه ليس من مذهب الأوائل. وإنما باقي الكلام عنهم مجملاً، ثم يتأوله اهل النَّظر، على ما يوجبه المعنى. ومعنى افتتاح كلام وتنبيه: أنها بمنـزلة "ها" في التنبيه و "يا" في النداء، والله تعالى أعلم بما أراد. وقد توقَّف بعض العلماء عن الكلام فيها وأشكالها، حتى قال الشعبي: لله تعالى في كل كتابٍ سِرٌّ، وسِرُّه في القرآن فواتحُ السُّور. وقال أبو حاتم: لم نجدِ الحروف المقطَّعة في القرآن، إلاَّ في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله تعالى بها؟.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.