الباحث القرآني

قال جلَّ وعزَّ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾. قال مجاهد: آمنوا ثم كفروا. ويُقال: كيف قال "اشْتَرَوْا" وإنما يُقال: اشتريتُ كذا بكذا، إذا دفعتَ شيئاً وأخذتَ غيره؟. والجوابُ عن قول مجاهد، أنهم كفروا بعد الإِيمان، فصار الكفر لهم بدلاً من الإِيمان، وصاروا بمنـزلة من باع شيئاً بشيءٍ. وقيل: لَمّا أعطَوْا بألسنتهم الإِيمانَ، وأبَوْهُ بقلوبهم، فباعوا هذا الذي ظهر بألسنتهم، بالذي في قلوبهم، والذي في قلوبهم هو الحاصلُ لهم، فهو بمنـزلة العِوَضِ، أُخرج من أيديهم. وقيل: لمَّا سمعوا التذكرة والهُدَى، ردُّوها واختاروا الضلالة، فكانوا بمنـزلة من دُفع اليه شيءٌ فاشترى به غيره. قال ابنُ كَيْسَانَ: قيل: هو مثلُ قولهِ تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فلمَّا كان خَلْقُهم للعبادة، صار ما خالفها مبدلاً عنها، بصدِّهم عمَّا خُلقوا له. وأصلُ الضَّلالةِ: الحَيْرةُ، وسُمِّي النِّسيانُ ضلالةً لما فيه من الحَيْرة، كما قال جلَّ وعزَّ ﴿قَاَلَ فَعَلْتُهَا إذَاً وَأنَا مِنَ الضَّالِينَ﴾ أي النَّاسينَ. ويُسمَّى الهَلاكُ ضَلالة، كما قال عز وجل ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؟. * ثم قال جل وعز: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. فأُنزلوا منـزلة من اتَّجر، لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، والمعنى: فما ربحوا في تجارتهم، ومثلُه قولُ العربِ: خَسِرَ بَيْعُه، لأنه قد عُرِفَ المعنى. * ثم قال جل وعز ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. أي بفعلهم الذي فعلوه من إيثار الضلالة [على الهدى]. ويجوز: وما كانوا مهتدين في علم الله عز وجلَّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.