الباحث القرآني

قوله جل وعز: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾. يُروى عن عمر أن إتمامهما تركُ الفسخ، لأن الفسخ كان جائزاً في أول الإسلام. وقال عبدالله بن سلمة سألتُ علياً عن قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ ما إتمامهما؟ قال: أن تُحرم بهما من دُويرة أهلك. قال أبو جعفر: وذهب الى هذا جماعةٌ من الكوفيين، وقال: وَجُعِلَ الميقاتُ حتى لا يتجاوز، فأمَّا الأفضلُ فما قال عليٌّ. ورَوَى علقمة عن عبدالله قال: لا يجاوز بهما البيت. وقال مجاهد وإبراهيمُ: إتمامُهُمَا أن يُفْعَل ما أُمِرَ بهِ فِيهما. وهذا كأنه إجماع، لأن عليه أن يأتي المشاعر، وما أُمِرَ به، وبذلك يتمُّ حجُّهُ. فأما الإِحرام من بَلَده، فلو كان من الإِتمام لفعله رسول الله ﷺ. وقد قال الحسن: أحرم عِمْرانُ بنُ الحصين من البلد الذي كان فيه، فأَنكر ذلك عُمَرُ عليه، وقال أيُحرِمُ رجلٌ من أصحاب رسول الله من داره؟. وقيل: "إتمامهما" أن تكون النفقة حلالاً. وقال سفيان: "إتمامهما" أن يُحرم لهما قاصداً، لا لتجارة. وقرأ الشعبي: (والعُمْرةُ للَّهِ) بالرفع، وقال: العمرةُ تطُّوعٌ. والناسُ جميعاً يقرءونها بالنصب، وفي المعنى قولان: قال ابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، وطاووس، وعطاء، وابن سيرين: هي فريضة. وقال جابر بن عبدالله، والشعبي: هي تطوع. وليس يجب في قراءة من قرأَ بالنَّصبِ أنها فرض، لأنه ينبغي لمن دخل في عملٍ هو لله أن يُتِمَّه. قيل: معنى الحج مأخوذ من قولهم: حججتُ كذا أي تعرفت كذا فالحاج يأتي مواضع يتعرَّفها. قال الشاعر: يَحُجُّ مَأمُومة في قَعْرِهَا لَجَفٌ * فَاسْتُ الطَّبِيبِ قَذَاهَا كَالمْغَارِيدِ وقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني مُنِعْتُم عن إتمامهما. وفي الإِحصار قولان: أحدهما: قاله ابن عمر، وهو مذهب أهل المدينة، قال: لا يكون إلاَّ من عدوّ. قال أبو جعفر: والقول الآخر قاله ابن مسعود، وهو قول أهل الكوفة، أنه من العدُوِّ، ومن المرض، وأن من أصابَه من ذَيْنِكَ شيءٌ بَعثَ بهدي، فإذا نُحِرَ حلَّ. ورَوَى سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ورَوَى طاووس عن ابن عباس مثل الأول، قال: وتلا (فاذا أَمِنْتُم) قال فهل الأمن إلا من خوف؟. فقد صار في الآية إشكال، لأنّ الإِحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو المرضِ، الذي يَحْبِسُ عن الشيء. فأما مِنَ العدوِّ، فلا يقال فيه إلاَّ: "حُصِرَ". يقال: حُصِرَ، حَصْرَاً، وفي الأول: أُحْصِرَ، إحْصَاراً. والقول في الآية على مذهب ابن عمر أنه يقال: "أُقْتَلْتُ الرَّجُلَ" أي: عرّضْتُه للقتل، و "أَقْبَره" جعل له قبراً، وأَحْصرتُه - على هذا - عرّضْتُه للحصر، كما يقال: أحبستُه أي عرَّضْتُه للحبس، وأُحْصر أي أصيب بما كان مسبباً للحصر، وهو فوت الحج. وقد رُوِي عن عكرمة عن الحجاج بن عَمْرو الأنصاري قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من عَرِجَ أو كُسِر، فقد حلَّ، وعليه حَجَّةٌ أخرى". قال: فحدَّثْتُ بذا ابنَ عبَّاسٍ، وأبا هريرة، فقالا: صَدَقَ. وإنما رَوَى هذا عن عكرمةَ حجَّاجُ الصَّوَّافُ. ورَوَى الجِلَّةُ خلاف هذا. روى سفيان عن عَمْرو بن دينار عن ابن عباس وابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس "لا حَصْر إلاَّ من عَدُوٍّ". ورَوَى أبو نجيح عن عكرمة أنّ المحصر يبعث بالهدي، فإذا بلغ الهديُ مَحِلَّه حلَّ، وعليه الحج من قابل. * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾. قال ابنُ عمر وابنُ الزبير وعائشةُ: من الإِبل والبقر خاصَّةً، شيءٌ دون شيءٍ. وروى جعفر عن أبيه عن علي رضوان الله عنه: (فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدْي) شاةٌ. وقال ابن عباس: يكون من الغنم، ويكون شِرْكاً في دم، وهو مذهب سعد. * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وقال مجاهد: يعني يوم النحر. وقال خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد: حتى يُنْحَر. وقال أكثر الكوفيين: يُنْحر عنه الهديُ في أيِّ يومٍ شاءَ في الحرم. وقال الكسائي في قوله: ﴿مَحِلَّهُ﴾: إنما كُسِرت الحاء لأنه من حَلَّ يَحِلُّ، حيث يَحِلُّ أمره، ولو أراد حيث يَحُلُّ لكان مَحَلَّه، وإنما هو على الحلال. ثم قال وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾. رَوَى مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه لمَّا كان مع رسول الله ﷺ، فآذاه القملُ في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صُمْ ثلاثة أيامٍ، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين مُدَّان، أو انْسُكْ بِشَاةٍ". قال أبو جعفر: أيَّ ذلكَ فعلت أجزأ عنك. وقال عطاء: هذا لمن كان به قملٌ، أو صُدَاعٌ، أو ما أشبههما. وقال أبو جعفر: وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: فحَلقَ، أو اكتحل، أو تَدَاوَى بشيءٍ فيه طيبٌ، فعليه فديةٌ. * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾. قال الربيع بن أنس: "إذا أمن من خوفه، وَبرَأ من مرضه" أي من خوف العدوِّ، والمرضِ. وقال علقمة: إذا برأ من مرضه. * ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾. التمتُّعُ عند الفقهاء المَدَنيِّين والكُوفيِّين: أن يعتمر الذي ليس أهلُه "حاضري المسجد الحرام" في أشهر الحج، ويحلَّ من عمرته، ثم يَحُجَّ في تلك السَّنَة، ولم يرجع إلى أهله بين العمرة والحج، فقد تمتَّع من العُمرة إلى الحج، أي انتفع بما ينتفع به الحلالُ. والمتعةُ، والمَتَاعُ في اللغة: الانتفاعُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وقال أهل المدينة: وكذلك إذا اعتمر قبل أشهر الحج، ثم دخلت عليه أشهر الحج ولم يَحِلَّ، فحلَّ في أشهر الحج، ثم حجَّ بعدُ فهو متمتِّعٌ. وقال الكوفيون: إن كان طاف أكثر طواف العمرة، قبل دخول أشهر الحج، فليس بمتمتع، وإن كان قد بقي عليه الأكثر فهو متمتِّعٌ. وقال طاووس: من اعتمر في السنة كلِّها، في المحرَّم فما سواه من الشهور، فأقام حتى يحجَّ فهو متمتِّع. ورَوَى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾ يقول: من أحرم بالعمرةِ في أشهر الحجِّ. ورَوَى عنه عطاء: العمرةُ لمن أُحْصِر، ولمن خُلِّيت سبيلُه، أصابتهما هذه الآية. وروى عنه سعيد بن جبير: على من أُحصِر الحجُّ في العام القابل، فإن حجَّ فاعتمر في أشهر الحج، فإن عليه الفدية. فهذه الأقوال عن ابن عباس متفقة، وأصحُّها ما رواه سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، لأن اتِّساق الكلام على مخاطبة من أُحْصِر، وإن كان ممن لم يُحْصَر فتَمتَّع، فحكمه هذا الحكم. فعلى هذا يصحُّ ما رواه عطاءٌ عنه، وكذلك ما رواه عليٌ بنُ أبي طلحة، غير أن نصَّ التأويل على المخاطبة لمن أحصر. وقال عبدُالله بنُ الزُّبير: ليس التمتع الذي يصنعه الناس اليوم، يتمتَّعُ أحدهم بالعمرة قبل الحجِّ، ولكن الحاجُّ إذا فاته الحجُّ، أو ضلَّتْ راحلتُه، أو كُسِر حتى يفوته الحجُّ، فإنه يجعله عمرةً. وعليه الحج من قابل، وعليه ما استيسر من الهدي. فتأويل ابن الزبير أنه لا يكون إلاَّ لمن فاته الحجُّ، لأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾ فوقع الخطابُ لمن فاته الحجُّ بالحصر، وخالفه في هذا الأئمة، منهم "عُمَرُ بنُ الخَطَّاب" و "عليُّ بنُ أبي طالب" و "سَعْدٌ" فقالوا: هذا للمُحْصَرِينَ وغيرِهم. ويدلُّك على أن حكم غير المُحْصَرِ في هذا كحكم المُحْصَر، قولُه تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فهذا للمحْصَر وغيرِه سواءٌ، وكذلك التمتُّعُ. وقولُه جل وعز: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال عائشة وابنُ عمرَ: الصِّيامُ لمنْ تِمتَّع بالعُمرةِ إلى الحجِّ، ممَّنْ لم يجدْ هَدْياً، ما بينَ أن يُهِلَّ بالحجِّ إلى يوم عَرَفة، ومن لم يَصُمْ صَامَ أيَّامَ منَى. وكان ابنُ عمر يستحبُّ أن يصومَ قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروِيةِ، ويومَ عرفةَ. وقال الشعبيُّ، وعطاءٌ، وطاووسٌ، وإبراهيم: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروية، ويوم عرفة. * ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَسْبَعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾. رَوَى شعبةُ عن محمد بن أبي النَوَّار عن حَيَّان السُّلَمي قال: سألتُ ابن عمر عن قوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجعتم إلى أهليكم. ورَوَىَ سفيانُ عن منصور عن مجاهد قال: إن شاء صامها في الطريق، إنما هي رخصةٌ. وكذا قال عكرمة والحسن. والتقدير عند بعض أهل اللغة: إذا رجعتم من الحج أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإِحرام من الحِلِّ. وقال عطاء: إذا رجعتم الى أهليكم، وهذا كأنه إجماع. ثم قال عز وجل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وقد عُلم أنها عشرة، وأحسنُ ما قيل في هذا أنه لو لم يقل: ﴿تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَة﴾ جاز أن يَتَوهَّم السامع أنه إنما عليه أن يصوم ثلاثةً في الحج، أو سبعةً إذا رجع، لأنه لم يقل: وسبعةً أخرى. كما يقول: أنا آخذ منك في سفرك درهماً، وإذا قدمتَ اثنين، أي لا آخذُ إذا قدمتَ إِلاَّ اثنين. وقال محمد بن يزيد: لو لم يقل: ﴿تِلَكَ عَشَرَةٌ﴾ جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيئاً آخر، فقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ بمنـزلة قولك في العدد: فذلك كذا، وكذا. وأما معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ فروى هُشَيْمٌ فيه عن عبَّادِ بن راشد، عن الحسن قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾ من الهَدْيِ، أي قد كملت في المعنى الذي جعلت له، فلم يُجعل معها غيرُها، وهي كاملةُ الأجْرِ ككمال الهَدْيِ. * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾. قال مجاهد: أهل الحرم. وقال الحسن وابراهيم والأعرج ونافع: هم أهل مكة خاصة. وقال عطاءٌ مكحول: هم أهل المواقيت ومن بَعْدَهم إلى مكة. قال أبو جعفر: وقولُ الحسن ومن معه أولى، لأنَّ الحاضرَ للشيء هو الذي معه، وليس كذا أهلُ المواقيت، وأهل مِنًى، وكلامُ العربِ لأهل مكة أنْ يقولوا: هم أهلُ المسجد الحرام. قال أبو جعفر: فتبَّين أن معنى ﴿حَاضِرِي المَسْجِدِ﴾ لأهل مكة، ومن يليهم، ممَّن بينه وبين مكة ما لا تُقصر فيه الصلاةُ، لأن الحاضرَ للشيءِ هو الشاهد له ولنفسه، وإنما يكون المسافرُ مسافراً، لشخوصِهِ إلى ما يُقْصر فيه، وإن لم يكن كذلك لم يستحقَّ اسْمَ غَائِبٍ.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.