الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾. حدثنا محمدُ بنُ جعفَر الأنباريُّ قال: حدَّثنا عبدالله بن يحيى، قال: أخبرنا حجَّاج بنُ محمد، قال ابن جريجٍ: قلتُ لنافع مولى ابن عمر: أَسَمِعْتَ ابن عمر سَمَّى أشهر الحج؟ قال: نعم كان سمَّى شوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة. وقال ابن عباس: شوالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة. وقال أبو جعفر: والقولان يرجعان الى شيءٍ واحد، لأن ابن عمر إنَّما سمَّى ذا الحجة لأن فيه الحج، وهو شهر حَجٍّ. * ثم قال تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾. قال ابن مسعود وابن عمر: (فَرَضَ): لبَّى. وعن ابن عباس: أحرم، وقيل: معنى أحرم أوجب على نفسه الإِحرام بالعزم وإن لم يُلَبِّ. قال أبو جعفر: وحقيقتهُ في اللغة أنَّ (فَرَضَ): أوجبَ. والمعنى: أوجب فيهن الحج بالتلبية [أو بالنية. واحتمل أن يكون معناه من أوجب على نفسه الحج بالتلبية] فيهن، فتكون التلبيةُ والحجُّ جميعاً فيهن. واحتمل أن يكون المعنى: منْ أوجبَ على نفسه الحج فيهن بالتلبية في غيرهن. إلا أن محمد بن جعفر الأنباري حدثنا قال: حدثنا عبدالله بن يحيى، قال: أخبرنا حجاج بن محمد قال ابن جريج: أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لا ينبغي لأحد أن يُحرم بالحج إلاَّ في أشهر الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾ فلا ينبغي لأحد أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرضٍ". * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾. روى سفيانُ بن حُصَيْف عن مقسم عن ابن عباس قال: الرفثُ: الجماع، والفسوقُ السِّبابُ. والجدال أن تماريَ صاحبك حتى تغضبه. وكذا قال ابن عمر. وروى طاووس عن ابن عباس وابن الزبير: الرَّفَثُ: التعريضُ، أي يقول: لو كنَّا حَلاَليْنِ لكان كذا وكذا. وقال عطاء وقتادة: الرفثُ: الجماعُ، والفسوقُ: المعاصي، والجدالُ: أن يماريَ بعضهُم بعضاً حتى يُغضِبه. وروى أبو يحيى عن مجاهد في الجدال كما قال عطاء. ورَوَى [عنه] ابن أبي نجيح: لا جدال ولا شك فيه وهو مذهب أبي عمر بن العَلاَءِ. وعلى ذلك قرأ برفع "رَفَثٌ وَفَسُوقٌ" وفَتْح "جِدَالَ". وهذه الأقوال متقاربة، لأن التعريض بالنكاح من سببه، والرفثُ أصله: الإِفحاش ثم يكنى به عن الجماع، ويبين لك أنه يقع للجماع قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَفَثُ إلى نِسَائِكُمْ﴾. والفسوق في اللغة: الخروج عن الشيء. فَسِبَابُ المسلم خروجٌ عن طاعة الله. وقد رَوَى ابن مسعود عن النبي ﷺ: "سِبَابُ المسلمِ فِسْقٌ، وقتاله كفرٌ". وقيل: قول عطاء وقتادة: الفُسوقُ: المعاصي، حسنٌ جداً. على أنه قد رَوى عبدالله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن نافع ابن عمر قال: الفُسوق: إتيان معاصي الله في الحرم، أي من صيد وغيره. فهذا قولٌ جامعٌ، لأن سِبَابَ المسلمِ داخلٌ في المعاصي، وكذلك الأشياء التي مُنع منها المحرم وحده، والتي مُنع منها المحرم والحلال. ومعنى قول مجاهد: "لا شك فيه" أنه في ذي الحجة، أنَّ النَّسَأَةَ كانوا ربَّما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضُهُم بجمعٍ، وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك. وقال النبي ﷺ: "إنَّ الزمان قد استدار كهيئتِه يوم خلق الله السموات والأرض، وأن الحج في ذي الحجة". وقال أبو زيد: قال أبو عمرو: أراد فلا يكوننَّ رفثٌ، ولا فسوقٌ في شيء يُخْرِجُ من الحج. ثم ابتدأ النفي فقال: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾. فأخبر أن الأول نهىٌ. * ثم قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾. رَوَى سفيان عن عمروٍ عن عكرمةَ قال: "كان أناسٌ يقدمون مكة في الحج بغير زادٍ، فأُمروا بالزاد". وقال مجاهد: كان أهلُ اليمنِ يقولون: لا تتزوَّدُوا فَتَتَوصَّلُون من الناس، فَأُمروا أن يتزودوا. وقال قتادة نحواً منه. * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾. أي فمن التقوى، أنْ لا يتعرَّضَ الرجلُ لما يَحرُم عليهِ من المسألة. * ثم قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾. أي العقول، ولبُّ كل شيئاً خالصُهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.