الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾. قالت عائشة وابن عباس: "كانت العرب تقف بعرفات، فتتعظَّم قريش أن تقف معها، فتقف قريشٌ بالمزدلفة، فأمرهم الله أن يُفيضُوا من عَرفاتٍ مع النَّاسِ". وقال الضحاك: الناس إبراهيم صلى الله عليه وسلَّم. قال أبو جعفر: والأول أولى. رَوَى ابن عيينه عن عَمْرو بن دينار، عن محمد بن جبير بنِ مطعم، عن أبيه قال: "خرجت في طلب بعيرٍ لي بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ قائماً بعرفة مع الناس، قبل أن يُبعث، فقلت: واللهِ إن هذا من الحُمْس، فما شأنُه واقفاً ها هنا"؟. قال أبو جعفر: الحُمْسُ: الذين شددوا في دينهم، والحماسةُ الشدَّةُ [ويُقال "ثُمَّ"] في اللغة تدل على الثاني بعد الأول، وبينهما مهلة.. وقد قال الله تعالى بعد ﴿فَاذكُروُا الَّلهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ ﴿ثُمَّ أَفِيْضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وإنما الإِفاضةُ من عرفات، قبل المجىءِ إلى المشعر الحرام؟. وفي هذا جوابان: أحدهما: أن (ثُمَّ) بمعنى الواو. والجواب الثاني: وهو المختار أن (ثُمَّ) على بابها، والمعنى ثم أُمِرْتُم بالإِفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس. وفي هذا: معنى التوكيد لأنهم أُمِرُوا بالذكر عند المشعر الحرام، وأَفاضوا من عرفات ثم وكِّدت عليهم الإِفاضة من حيث أفاض الناس، لا من حيث كانت قريش تفيض. وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ﴾، ويقال فلان كريم، ثم إنه يتفقدنا، وفلان يقاتل الناس ثم إنه رديء في نفسه، أي ثم أزيدك في خبره. وفي الآية قول آخر حسن على قول الضحاك: ﴿النَّاسُ﴾ ابراهيم عليه السلام، فيكون المعنى من حيث أفاض ابراهيم الخليل وهو المشعر الحرام. ويكون هذا مثل ﴿الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وذلك "نُعَيْمُ بنُ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِي". وقد رُوي: عنه أنه قال: (ثُمَّ أَفَيِضوا مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسِي) يعني آدم، وهذه قراءة شاذة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.