الباحث القرآني

قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾. رَوَى خَالدٌ الحَذَّاءُ عن عِكْرِمَةَ قال: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾ هذا الكتابُ، وكذا قول أبي عُبيدة، وأنكره أبو العباس قال: لأن "ذَلِكَ" لِما بَعُدَ، و "ذَا" لِما قَرُبَ، فإِنْ دخلَ واحدٌ منهما على الآخر، انقلبَ المعنى، قال: ولكنَّ المعنى: هَذَا القرآنُ، ذلكَ الكتابُ الذي كنتم تستفتحون به على الَّذينَ كفروا. وقال الكسائي: كأنَّ الإِشارة [إلى القرآنِ الذي في السَّماء] والقولَ من السَّماءِ، والكتابَ، والرسولَ في الأرض، فقال: ذلك الكتابُ يا محمَّدُ. قال ابن كيسان: وهذا حَسَنٌ. قال الفراء: يكون كقولك للرجل وهو يُحدِّثُك: ذلكَ واللَّهِ الحقُّ، فهو في اللفظ بمنـزلة الغائب، وليس بغائب. والمعنى عنده: ذلكَ الكتابُ الذي سَمِعْتَ بهِ. وقيل ﴿كِتَابٌ﴾ لِمَا جُمِعَ فيه، يقال: كتبتُ الشَّيْءَ أي جمعتُه، والكَتْبُ: الخَرْزُ، وكتبتُ البَغْلَةَ منه أيضاً، والكتيبةُ: الفِرْقَةُ المجتمعُ بعضُها إلى بعضٍ. * ثم قال تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾. قال قتادة: لا شكَّ فيه. وكذا هو عند أهل اللغة. قال أبو العباس: يقال: رابني الشَّيْءُ إذا تبيَّنْتُ فيه الريبةَ، وأرابني إذا لم أتَبيَّنْها منه. وقال غيره: أرابَ في نفسه، ورابَ غيرَه، كما قال الشاعر: وَقَدَ رَابَنِي قَوْلُهَـا يَا هَنَـا * هُ، وَيَحْكَ أَلْحَقْتَ شَرَّاً بِشَرٍّ ومنه "دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُك" ومنه ﴿رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي حوادث الدهر، وما يُسترابُ به. وأخبر تعالى أنه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ثم قال بعدُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾. فالقول في هذا أنَّ المعنى: وإن كنتم في قولكم في ريبٍ، وعلى زعمكم وإنْ كنا قد أتيناكم بما لا ريب فيه، لأنهم قالوا كما قال الذين من قبلهم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. * ثم قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾. والهُدَى: البيانُ والبصيرةُ. * ثم قال تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِيِنَ﴾ أي الَّذين يتَّقون ما نُهُوا عنه. والتقوى: أصلُها من التوقِّي، وهو التستُّر من أن يُصيبه ما يَهْلِك به.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.