الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. رَوَى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ثم أنزل: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأنْتُم سُكَارَى حَتَّى تَعْلَموا ما تَقُولونَ﴾ [فكانوا يَدَعونها] فإذا صلُّوا العشاء شربوها، فلا يُصبحون حتى يذهب عنهم السُّكْرُ، فإذا صلُّوا الغداة شربوها، فما يأتي الظهر حتى يذهب عنهم السُّكْرُ، ثم إن ناساً شربوها، فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلَّموا بما لا يرضي اللَّهَ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إنَّما الخمرُ والميسرُ، والأنْصَابُ، والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ﴾. فحرَّم الله الخمر ونهى عنها، وأمر باجتنابها، كما أمر باجتناب الأوثان. ورَوَى أبو توبة عن ابن عمر: أُنزلت ﴿إنَّما الخَمْرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُنْتَهونْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: حُرِّمَتْ. وقال عمرو بن شرحبيل: فقال عمر: انتهينا، فإنها تُذهِبُ المالَ، والعقل. وأهلُ التفسير يذهبون إلى أن المُحرِّمَ لها هذا. وقال بعض الفقهاء: المُحرِّمُ لها آيتان: إحداهما: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبّي الفَواحِشَ ما ظَهَر مِنْها وما بَطَنَ وَالإثْم﴾. قال أبو إسحاق: الخمر هذه المجمعُ عليها، وقياس كل ما تحملِ عَمَلها أن يقال له خمر، وأن يكون بمنـزلتها في التحريم، لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه، فجعل كله قياساً على الميسر، والميسر إنّما يكون قماراً في الجُزُر خاصة، وكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنـزلتها. وتأويلُ الخمر في اللغة: أنه ما ستَر على العقل، يُقال لكل ما سَتَر الإنسانَ من شَجَرٍ وغيره: خَمر، وما ستَره من شجر خاصة الضَّرا مقصور. ودخل في "خُمَارِ النَّاسِ" أي في الكثير الذي يُستتر فيه. وخِمارُ المرأة قِنَاعُها، لأنه يغطّي [الرأسَ] والخمرةُ يُسْجَدُ عليها، لأنَّها تستر الوجه عن الأرضِ. وكلُّ مسكرٍ خمرٌ، لأنه يخالط العقل ويُغطِّيه، وفلانٌ مخمورٌ من كل مُسْكِرٍ. قال سعيد بن جبير ومجاهد: الميسرُ القمارُ كلُّه. فأمَّا الإِثم الذي في الخمر فالعداوة والبغضاءُ، وتَحُولُ بين الإِنسان وبين عقله الذي يُميِّزُ به، ويَعْرِفُ به ما يجب لخالقه. والقِمَارُ يورث العداوة، لأن مال الإِنسان يصير إلى غيره بغيرِ جزاء يأخذه عليه. والمنافع: لذةُ الخمر، والربحُ فيها، ومصيرُ الشيء إلى الإِنسان في القمار بغير كدٍّ. وقال الضحَّاك: منافعهما قبل التحريم، وإثمُهما بعد التحريم. * وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ؟ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾. قال طاووس: اليسير من كل شيء. وقال خالد بن أبي عمران: سألت القاسِمَ وسالماً فقالا: فضل المالِ: ما يُصَّدَّق به عن ظهر غنى. وقال قتادة: هو الفضلُ. وقال أبو جعفر: وهذه الأقوال ترجع إلى شيءٍ واحد، لأن العفو في اللُّغَة: ما سَهُلَ. يقال: خُذْ ما عَفَا لك: أي ما سَهُلَ لك. وفي الحديث عن النبي ﷺ: "أفضل الصدَّقةِ ما تُصُدِّق بهِ عن ظَهْرِ غِنَى". فعلى هذا تأويل قول القاسم وسالم. وفي المعنى قول آخر. قال مجاهد: هي الصدقة المفروضة، والظاهر يدلُّ على القول الأول. * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾ [آية ٢١٩ - ٢٢٠]. وقال أبو جعفر: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا سَلَمةُ بن شبيب قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾. قال: يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة فتعرفون فضل الاخرة على الدنيا. قال أبو جعفر: والتقدير على قول قتادة لعلكم تتفكرون في أمر الدنيا والآخرة. وقيل: هو على التقديم والتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.