الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الطلاق مرتان﴾ قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتُه تطليقتين، فَلْيَتَّقِ الله في التطليقة الثالثة، فإمَّا يُمْسِكها بمعروف، فيُحسِنَ صحابتها، وإمَّا يُسَرِّحَها بإحسان، فلا يظلمها من حقَّها شيئاً. وقال عروة بن الزبير: كان الرجل يطلق امرأته ويرتجعها قبل أن تنقضي عدَّتُها، وكان ذلك له، ولو فعله ألفَ مرة، ففعل ذلك رجلٌ مراراً، فأنزل الله تعالى: ﴿ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ فاستقبل النَّاسُ الطَّلاقَ جديداًَ من يومِئِذٍ، من كان منهم طلَّق، أو لم يُطلِّق. والتقديرُ في العربية: الطَّلاقُ الذي لا يملك مع أكثر منه الرجعة مرَّتان. ويُروى أن رجلاً قال للنبي ﷺ: فأين الثالثة؟ فقال: التسريحُ بإحسان. * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. أي: فالواجب عليكم إمساك بما يُعرف أنه الحقُّ. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾. أي يُسهِّل أمرها بأن يطلِّقها الثالثة. والسَّرْحُ في كلام العرب: السَّهْلُ. * وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾. هذا في الخلع الذي بين الزوجين. قال أبو عبيدة: الخَوْفُ ها هنا: بمعنى اليقينِ. قال أبو إسحاق: حقيقته عندي أن يكون الغالب عليهما الخوف من المعاندة. قال ابن جريح: كان طاووس يقول: يحلُّ الفداء، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ ولم يكن يقول قولَ السفهاء: لا تحلُّ حتى تقول: لا أغتسلُ من جنابة، ولكنه كان يقول: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه، في العِشْرَة، والصُّحبةِ. والمعنى على هذه القراءة: إلا أن يخاف الزوجُ والمرأةُ. وقرأ الأعمشُ، وأبو جعفر، وابن وثابِ، والأعرجُ، وحمزة: ﴿إلاَّ أَنْ يُخَافاَ﴾، بضم الياء. وفي قراءة عبدالله: ﴿إلاَّ أَنْ تَخَافُوا﴾ بالتاء. وقيل: المعنى على هاتين القراءتين: إلاَّ أن يَخافُ السلطانُ، ويكون الخلع إلى السلطان. وقد قال بهذا الحسن، قال شعبة: قلت لقتادة: عنْ مَنْ أخذ الحسنُ قولَه: لا يكون الخلع دون السلطان؟. فقال: أخذه عن زيادٍ، وكان والياً لعمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما. وقال أبو جعفر: وأكثرُ العلماء على أن ذلك إلى الزوجين. * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾، وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئَاً، أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانَاً وإثْماً مُبِينَاً﴾. ورَوَى معمر عن الزهري قال: لا يحلُّ لرجل أن تختلع امرأَتُهْ، إلاَّ أن يُؤتَى ذلك منها، فأما أن يكون يؤتى ذلك منه، يضارُّها حتى تختلع منه، فإن ذلك لا يصلح. وقال أهل الكوفة: حَظَر عليه ما كان ساقَهُ إلى المرأة من الصّداق في قوله تعالى ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ ثم أطلقه ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ فلا يحلُّ له أن يأخذ أكثر مما ساقه إليها. وليس في الآية ما يدل على أنه لا يحل له أكثر مما أعطاها. وقولُ: الزهري بيِّنُ، ويكون قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ يبيِّن قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾. أي: لا تأخذوا منهن شيئاً غَصْباً. ومعنى: ﴿حُدُودِ اللهِ﴾ ما مَنَعَ منه، والحدُّ مانعٌ من الاجتراء على الفواحش، وأحدَّت المرأة امتنعت من الزينة، ورجل محدودٌ ممنوع من الخير، [والبوَّابُ حدَّادٌ] أي مانعٌ. ومعنى: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ فلا تتجاوزوها.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.