الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومعناه معنى الأَمْرِ، لِمِا فيه من الإِلزامِ. ورَوَى ابن أبي ذئبٍ عن يزيد بن عدالله بن قُسَيْطِ، عن بَعْجَةَ الجُهَنِيَّ قال: "تزوَّج رجلٌ امرأةً، فولَدَتْ لستَّةِ أشهرٍ، فأتى عثمانَ بنَ عفان، فذكر ذلك له، فأمر برجمها، فأتاه عليٌ رضي الله عنه وقالَ: إن اللَّهَ يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرَاً﴾ وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. وقال ابنُ عباس: فإذا ذهبت رضاعته، فإنما الحملُ في ستة أشهر. والفائدةُ في ﴿كَامِلَيْنِ﴾ أنَّ المعنى كامِلَيْن للرضاعة. كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أي من الهَدْي، وقال تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لأنه قد كان يجوز أن يأتيَ بعد هذا شيءٌّ آخرُ، أو تكون العَشَرةُ ساعاتٍ. * ثم قال تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾. أي ذلك وقتٌ لتمام الرضاعة، وليس بعد تمامِ الرَّضَاعةِ رضاعٌ. * ثم قال تعالى: ﴿وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي على الأب الذي وُلِدَ له ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي رزقُ الأمهاتِ ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي لا تقصيرَ في النفقة، والكسوة، ولا شَطَطَ. * ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ على النهي. وقرأ أَبَانُ عنِ عاصِم: ﴿لا تُضَارِرْ وَالِدَةٌ﴾ بكسرِ الراءِ الأُولى. وقيل: المعنى لا تَدَعُ رَضَاعَ ولدها لِتُضِرَّبِهِ غيظاً على أبيه. وقَرَأ أبو عمرو وابنُ كثيرٍ: ﴿لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ﴾ بالرفع على الخبر الذي فيه معنى الإلزام. ورَوَى يونس عن الحسن قال: يقول: "لا تُضَارَّ زوجَها، فتقول: لا أُرِضعه، ولا يُضارُّها فينـزعُهُ منها، وهي تقولُ: أنا أُرضعُهُ. * ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾. رَوى مجاهد عن ابن عباس قال: "وعلى الوارث أن لا يُضارَّ". وكذلك رُوي عن الشعبي والضحاك. ورُوي عن عُمَر، والحسين بن صالح، وابنِ شبرمة: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾ أي الكسوةُ والرضاع. ورُوي عن: الضحاك: الوارثُ: الصبيُّ، فإن لم يكن له مالٌ فعلى عَصَبَتِه، وإلاَّ أُجبرت المرأة على رضاعه. [قال أبو جعفر]: وزعم محمد بن جرير الطبري أن أَوْلى الأقوال بالصواب قولُ قَبِيصَة بن ذؤيب ومن قال بقوله: إنه يُراد بالوارِث المولودُ، وأن يكون ﴿مِثْلُ ذٰلِكَ﴾ معنى مثلُ الذي كان على والده، من رزق والدته، وكسوتها بالمعروف، إن كانت من أهل الحاجة، وهي ذاتُ زمانة، ولا احتراف لها، ولا زوج، وإن كانت من أهل الغِنَى والصحة، فمثل الذي كان والده لها، من أجر الرضاعة، ولا يكون غير هذا إلا بحجةٍ واضحة، لأن الظاهر كذا. قال أبو جعفر والقولُ الأولُ أَبْيَنُ، لأن الأب هو المذكور بالنفقة في المواضع، كما قال: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاَتٍ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وكذا تجب عليه النفقة على وَلَدِه ما دام صغيراً، كما تجب عليه ما دام رضيعاً. ثم قال أبو حنيفة وأصحابُه: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾ أي الرضاعُ، والكسوةُ، والرزقُ، إذا كان ذا رَحِم مُحَرَّمَةٍ. وليس ذلك في القرآن. * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. قال مجاهدٌ وقتادةُ: أي فِطَامَاً دون الحَوْليْنِ. قال أبو جعفر: وأصلُ الفصالِ في اللغة التفريقُ، والمعنى ﴿عن تراضٍ﴾ من الأبوين ومُشَاوَرَةٍ، ليكون ذلك عن غير إضرارٍ منهما بالولدِ. ثم قال: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي فلا إثم. * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ﴾. أي تَسْتَرْضِعُوهُمْ قَوْماً. قال أبو إسحاق: أي لأولادكم غير الوالدة. ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم﴾ أي سلمتم ما أعطيتم من ترك الإِضرار. وقال مجاهدٌ: إذا سَلَّمْتُمْ حساب ما أُرْضِعَ بِهِ الصَّبِيُّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.