الباحث القرآني

قوله تعالى ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾. رَوَى مجاهد عن ابن عباس قال: هو أن يقول: أُريدُ أن أتزوج، وكره أن يقول: "لا تسبقيني بنفسك" في العدَّة. وقال القاسم بن محمد: هو أن يقول الرجل للمرأة، وهي في عدتها من وفاة زوجها: إنَّكِ عليَّ لكريمةٌ، وإني فيكِ لراغبٌ، وإن الله لسائقٌ إليك خيراً ورزقاً، ونحو هذا من القول. وقالت سُكَيْنَةُ: بنتُ حَنْظَلةَ: - وكانت تحت ابنِ عمٍّ لها فتوفيَّ - فدخل عليَّ "أبو جعفر محمد بن علي" وأنا في عِدَّتي فَسَلَّم ثم قال: كيف أصبحت؟ فقلتُ: بخيرٍ، جَعَلَكَ اللهُ بخير، فقال: "أنا مَنْ قَدْ عَلِمْتِ قرابتَهُ من رسول الله ﷺ وقرابتهُ من عليٍّ، وحقِّي في الإِسلام، وشرفي في العرب". قالت: فقلتُ له: غَفَرَ الله لك يا أبا جعفر، أنت رَجُلٌ يُؤخَذُ منك، ويُروى عنك، تخطبني في عدَّتي؟!.. قال: ما فعلتُ، إنما أخبرتُكِ بمنـزلتي من رسول الله ﷺ ثم قال: "دخلَ رسولُ الله ﷺ على أمِّ سَلَمَة بنت أبي أُميَّة بن المغيرة المخزومية، وتَأَيَّمَتْ من أبي سَلَمة بن عبدِ الأسدِ ـ وهو ابن عمِّها ـ فلم يزل [يذكر] منـزلتَهُ من الله، حتَّى أثَّر الحصيرُ في يده، من شِدَّةِ ما يعتمد عليه بيده، فما كانت تلك خِطْبَةٌ". * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾. قيل: مِنْ أَمْرِ النِّكاحِ. * ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾. قال الحسن: أي في الخِطْبَةِ. وقال مجاهدٌ: أي في نَفْسِهِ. * ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾. قال سعيد بن جبير: السرُّ أن يُعاقِدَهَا على أَنْ لا تتزوَّجَ غيرَهُ. وقال مجاهدٌ: هو أن يقول: لا تُفَوِّتيني بِنَفْسِكِ. وقال أبو مجلزٍ وإبراهيمُ والحسنُ: هو الزِّنا. وقال أبو عبيدة: هو الإِفصاحُ بالنكاح. وقال محمدُ بنُ يزيدَ: قومٌ يجعلون السِّرَّ زِناً، وقومٌ يجعلونَهُ الغِشْيَانَ، وكلا القَوْلَيْن خطأٌ، إنما هو الغِشْيَانُ مِنْ غير وجهِهِ، قال الله تعالى ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ فليس هذا موضع الزنا. قال أبو جعفر: الذي قال محمد بن يزيد مِنْ أَنَّ السرَّ الغشيان من غير وجهه، عند أهل اللغة كما قال، إلا أنَّ الأَشْبَهَ في الآية ما قال سعيدُ بن جبير أنَّ المعنى لا تُواعِدُوهُنَّ نكاحاً، فسمىَّ النكاحَ سِرّاً، لأن الغشيانَ يكونُ فيه، وزعم محمد بن جرير أن أَوْلَى الأقوال بالصواب أنَّ السِّرَّ الزِّنَا، ولا يصحُّ قولُ مَنْ قال: السِّرُّ أن يقول لها "لا تسبقيني بنفسك" لأنه قولُ علانيةٍ، فإنْ أراد أنه يقال سراً، قيل له: فهو إذاً مطلقُ علانيةٍ، وهذا لا يقوله أحدٌ، ولا يكون السرُّ النكاحَ الصحيحَ، لأنه لا يكون إلاَّ بوليٍّ وشاهدَيْن، وهذا علانيةٌ. ومعنى ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ستذكرون خِطْبَتَهُنَّ ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ يقول لها: قد ذكرتك في نفسي وقد صرْتِ زوجتي، فَيغُرَّها بذلك، حتى يصل إلى جماعها زِناً. * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾. قال مجاهدٌ: هو التعريض. وقال سعيد بن جبير: أنْ يقول لها: إني لأرجو أن نجتمع، وإنِّي إليك لمائلٌ. ورَوَى عطاءٌ الخراسانيُّ عن ابن عباس ﴿وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى تنقضَى العِدَّةُ. والتقدير في اللغة: حتى يبلغَ فرضُ الكتابِ، ويجوزُ أن يكون الكتابُ بمعنى الفرضِ تمثيلاً. * ثم قال تعالى: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ﴾. أي يعلم ما تحتالون به.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.