الباحث القرآني

قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. فقال قومٌ: لها المتعةُ مع ذلك، كما رُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - والحسنِ وسعيدِ بن جُبيرٍ. لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ. وقال آخرون: لا مُتْعَةَ لها. رُوِيَ ذلك عن عبدِالله بن عُمَرَ وسعيدِ بن المسيّب وعطاء والشعبيِّ. * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾. قال الزهريُّ والضحاكُ: [المرأةُ] إذا طلقتْ تَدَعُ النصف الذي جُعل لها. * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾. حدثنا محمد بن إدريس بن أسود قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عبيدالله بن عبدالمجيد قال: حدثنا جرير وهو ابن حازم قال: حدثنا عيسى بن عاصم عن شُريحٍ قال: سألني علي بن أبي طالب عن ﴿ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾. قال: قلتُ: هو الوَلِيُّ. قال: لا، بل الزَّوجُ. وكذلك قال جبير بن مطعم، وسعيد بن جبير، ورواه قتادة عن سعيد بن المسيّب. وقال ابن عباس: وعلقمة وإبراهيم: هو الوَليُّ، يَعْنُوْنَ الأَبَ خاصَّةً. قال أبو جعفر: حديثُ عَليٍّ إنما رواه عن شريح "عيس بن عاصم" ورواه الجِلَّةُ عن شريح من قوله، منهم الشعبيُّ، وابن سيرين، والنخعيُّ. وأصحُّ ما رُوِيَ فيه عن صحابي قولُ ابن عباسِ. قُرِىءَ على عبدالله بن أحمد بن عبدالسلام عن أبي الأزهر أحمد بن الأزهر، قال: حدثنا رَوْحُ بن عبادة قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: سمعتُ عكرمة يقول: قال ابن عباس: إن الله رَضِي العَفْو، وأَمَرَ بِهِ، فإنْ عَفَتْ فذلك، وإن عفا وليُّها "الذي بيده عقدةُ النكاحِ" وضَنَّتْ، جازَ، وإنْ أَبَتْ. قال أبو جعفر: والذي يدلُّ عليه سياقُ الكلامِ، واللغةُ أنه الوليُّ، وهو الذي يجوز أنْ يعقدَ النكاح على المرأة بغير أمرها، كما قال: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾، وإنَّما بِيَدِ الزَّوجِ أنْ يُطلِّق. فإنْ قيل: "بيدهِ عقدةُ نكاحِ نفسه" فذا لا يُناسبُ الكلام الأول، وقد جرى ذِكْرُ الزوج في قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيْضَةً﴾ فَلَوْ كان للزوج لَقِيْل: أو تعفوا، وهذا أشبه بسياق الكلام. وإن كان يجوز تحويل المخاطبةِ إلى الإِخبار عن غائبٍ. فأما اللُّغةُ فتوجب إذا أُعطي الصَّدَاقُ كاملاً أنْ لا يُقال له: عافٍ، ولكنْ يُقال له: واهبٌ، لأن العفْو إنما هو تَرْكُ الشيء وإذهابُهُ. ومنه: عَفَتِ الديارُ، والعافيةُ دُرُوسُ البلاءِ وذهابُهُ، ومنه: عَفَا اللهُ عنك. * ثم قال جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. قيل: يُعْنَى به الأزواجُ، وقيل: يُعْنَى به الذي بيده عقدةُ النكاحِ، والنِّسَاءُ جميعاً. هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وهو حَسَنٌ، لأنه لم يقُلْ: (وأن تَعْفُونَ) فيكون للنساء، (وأن يَعْفُو) فيكون للذي بيده عقدةُ النكاحِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.