الباحث القرآني

قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾. أي لا إله للخلقِ إلاَّ هو. ﴿ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ أي القائمُ بخلقِه المُدَبِّرُ لهم. ورُوي عن ابن عباس: ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾ الذي لا يزولُ. وقرأ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: ﴿القَيَّامُ﴾. وقرأ علقمة: ﴿"الحَيَّ" القيِّمُ﴾. قال ابن كيسان: القَيُّومُ "فَيْعُولٌ" من القيام، وليس بفَعُّوْلٍ، لأنه ليس في الكلام فَعُّوْلٌ من ذوات الواو. ولو كان ذلك لَقِيْلَ: قَوُّوْمَّ. والقَيَّامُ "فَيْعَالٌ" أصلُه القَيْوَامُ. وأصل: القَيُّومِ القَيْوُوْمُ. وأصلُ القَيِّمِ في قول البصريين القَيْوِمُ. وقال الكوفيون: الأصلَ القَوِيم. قال ابن كيسان: ولو كان كذا في الأصلِ، لم يجز فيه التغيير، كما لا يجوز في "طويل" و "سويق". وقولُه جل وعز: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾. قال الحسن وقتادة: نَعْسةٌ. وأنشد أهلُ اللغة: وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ * فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بنائِمِ والمعنى: لا يفضُل عن تدبير أمر الخلق. * ثم قال تعالى: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. لمَّا قالوا: الأصنام شفعاؤُنا عند الله. فأعلم اللهُ أن المؤمنين إنما يُصَلُّون على الأنبياء، ويَدْعون للمؤمنين، كما أُمِروا وأُذِنَ لهم. * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما تَقدَّمهم من الغيب ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾. لا يعلمون من ذلك شيئاً إلا ما أراد أن يطلعهم عليه، أو يُبلِّغه أنبياؤُه تثبيتاً لنبوتهم. * ثم قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾. وحكى يعقوب الحَضْرَميُّ: وُسْعُ كُرْسِيِّهِ السَّمَواتُ والأرضُ، ابتداءٌ وخبر. ورَوَى سفيان وهُشَيْمٌ عن مُطَرَّفٍ عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبَيْرٍ عن ابن عباس في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾. قال: علمه، ألا ترى إلى قوله ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾؟! وقد اسْتُشْهِدَ لهذا القول ببيتٍ لا يُعْرف، وهو: "ولا يُكَرْسِىءُ عِلَمَ اللهِ مَخْلُوقُ". أي لا يعلم علمَ اللهِ مخلوق، وهو أيضاً لَحْنٌ، لأن الكرسيَّ غيرُ مهموزٍ. وقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ قدرتُهُ التي يمسك بها السمواتِ والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كُرسياً، أي ما يَعْمِدُهُ. وهذا قريب من قول ابن عباس. وقال أبو هريرة: الكرسيُّ بين يدي العرش. وفي الحديث: "ما السَّمواتُ والأرضُ في جَوْفِ الكرسِي إلا كَحَلَقَةٍ في أرض فلاة". واللهُ جلَّ وعزَّ أعلمُ بما أراد، غير أن الكرسيَّ في اللغة الشيء الذي يُعتَمَدُ عليه، وقد ثبتَ ولزمَ بعضه بعضاً، ومنه الكُرَّاسَةُ والكِرْسُ: ما تلبَّدَ بعضه على بعض. وقال الحسن: الكرسيُّ: هو العرشُ. ومال محمد بن جرير إلى قول ابن عباس، وزعم أنه يَدُلُّ على صحته ظاهر القرآن، وذلك في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. وقال جَلَّ وعزَّ إخباراً: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمَاً﴾. فأخبر أن علمه وسعَ كلَّ شيء، وكذا وسع كرسيُّه السمواتِ والأرض. والضميرُ الذي في ﴿حِفْظُهُمَا﴾ للسَّمواتِ والأرض. * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال الحسن وقتادة: لا يَثْقُل عليه. قال أبو إسحاق: فجائزٌ أن تكون الهاءُ للَّهِ جلَّ وعز، وجائِزٌ أن تكون للكرسيِّ، وإذا كانت للكرسيِّ، هو من أمرِ اللَّهِ.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.