الباحث القرآني

قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. فيه قولان: أحدُهما: أن المعنى ليطمئنَّ قلبي للمشاهدة، كأنَّ نفسَهُ طالبتْهُ برؤية ذلك، فإذا رآه اطمأنَّ، والإِنسان قد يعلمُ الشيءَ من جهةٍ، ثم يطلبُ أن يعلمه من غيرها. وهذا القولُ مذهبُ الجِلَّةِ من العلماء، وهو مذهب ابن عباس، والحسن. قال الحسن: ولا يكون الخَبَرُ عند ابنِ آدَمَ كالعَيَانِ. والقول الآخر: أن المعنى ﴿وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بأنَّي إذا سألتُكَ أجبتَني. كما رَوَى سفيان عن قيس بن مسلمٍ عن سعيد بن جبير قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤمِنْ﴾ بالخُلَّةِ، قال: توقن بالخلَّة. ورَوَى أبو الهيثم عن سعيد بن جبير: ﴿وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد. * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ﴾. حدثنا عبدالباقي بن أحمد بن محمد بن عبدالعزيز الأموي قال: حدثنا أبي قال: حدثنا يحيى بن عبدالله بن بُكَيْرٍ، حدثنا عبدالله بن لَهِيعةَ، عن عُبيدِالله بن هُبَيْرَةَ السّبِيني عن حَنَشٍ الصنعاني عن عبدالله بن عباس، في قول الله جلَّ وعَزَّ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، قال: هو الحَمَامُ، والطاووسُ والكُرْكِي، والدِّيْكُ. ورَوَى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أَخَذَ الديكَ، والطاووس، والغُرابَ، والحَمَامَة". قال مجاهد: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ انْتِفْهُنَّ بريشهنَّ، ولُحُومِهنَّ. قال أبو عُبيدة: صِرْتُ: قطعْتُ، وصُرْتُ: جَمَعْتَ. وَحَكَى أبو عبيدة: صُرْتُ عُنُقَهُ: أَصُورُهَا، وصِرتهَا أصِيْرُهَا أَمَلْتُهَا، وقد صَوِرَ. يُقْرَأُ بالضم والكسر، وأكثر القراء على الضم. قال الكسائي: من ضمَّها جعلها من صُرْتُ الشيء أَمَلْتُهُ وضَمَمْتُهُ إليَّ، قال: وَصُرْ وَجْهَكَ إليّ أي أَقْبِلْ بِهِ. والمعنى على هذه القراءة: فَضُمّهُنَّ إليك وقَطِّعْهُنَّ، ثم حُذِفَ "وقطِّعْهُنَّ" لأنه قد دَلَّ عليه ﴿ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءَاً﴾. ومن قرأ: ﴿فَصِرْهُنَّ﴾ بالكسر ففيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى الأول. والآخر: أن أبا مالكِ والضحاك قالا: فَقَطِّعْهُنَّ. قال أبو حاتم: هو مِنْ صَار، إذا قَطَعَ. قال: ويكون حينَئِذٍ على التقديم والتأخير، كأنه قال: فَخُذْ أربعة من الطير إليك فَصِرْهُنَّ. قال غيره: ومنه قيل للقطيع من بقر الوحش: صِوَارٌ وصُوَارٌ، أي انقطعَتْ فانفردتْ، ولذلك قيل لقطع المِسْكِ: أَصْوِرَةٌ، كما قال: "إِذَا تَقُومُ يضُوغ المِسْكُ أَصْوِرَةً". قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في معنى "فَصِرْهُنَّ" وَصُرْهُنَّ: أنهما بمعنىً واحدٍ، بمعنى القطع، على التقديم والتأخير، أي: فَخُذْ إليك أربعةً من الطير فَصِرْهنَّ. ولم يوجد التفريقُ صحيحاً عن أحدٍ من المتقدمين. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾. قال ابن عباس: تَعَاليْنَ بإذن الله، فطارَ لحمُ ذَا إلى لحم ذا، ﴿سَعْيَاً﴾ أي عَدْوَاً على أرجلهن، ولا يقال للطائر إذا طار: سَعَى. ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي لا يمتنع عليه ما يريد. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يُدبِّرُ. فلمَّا قَصَّ ما فيه البراهينُ حَثَّ على الجهاد، وأَعلَمَ أنَّ من جاهد بعد هذا البرهان، الذي لا يأتي به إلا نبيٌّ، فله في جهاده الثوابُ العظيمُ.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.