الباحث القرآني

قوله جلَّ وعزَّ: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾. في معناها أقوال: ١- منها أن هذا على الندب، وليس بحتم. ٢- ومنها أن أبا نضرة، روى عن أبي سعيد الخدري، أنه تلا هذه الآية ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ حتى بلغ ﴿فَإنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: نَسَختْ هذه الآية ما قبلَها. ٣- وقيل: إنَّ هذا واجبٌ في الأجلِ، والإِشهَادُ في العاجل، وإنما الرخصةُ في الرهن. ويُقال: دَايْنتُ الرجلَ: إذا أقرضتُه واستقرضتُ منه، وكذلك تداينَ القومُ. وأدنتُ الرجلَ: بعتهُ بدينٍ، ودِنْتُ، وادَّنْتُ أي أخذتُ بدين، وأنا دائنٌ، ومُدَّانٌ. والمُدِينُ: المَلِكُ، إذا دانَ الناسُ له، أي سمعوا وأطاعوا. ومما يُسأل عنه أن يُقال: ما وجهُ "بِدَيْنٍ" وقد دلَّ "تَدَايَنْتُمْ" على الدَّيْن، فهل تكون مداينةٌ بغير دين؟. فالجوابُ أن العرب تقول: "تداينَّا" أي تجازينا "وتعاطينا" الأخذ والإعطاء، فجاء "بِدَيْنٍ" مبيناً للمعنى المقصود. وقولُه جل وعز: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ﴾. قال السدي: بالحقِّ، أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر ممَّا له، ولا أقلَّ. * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾. قيل: كما علَّمة اللَُّهُ من الكتابة بالعدل. وقيل: كما فضَّله اللهُ بعلم الكتابة. * ثم قال تعالى: ﴿فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾. قال ابن وهب: أخبرني يونس أنه سأل ربيعة: ما صفة السفيه؟ فقال: الذي لا يُثمِّر مالَه في بيعه ولا ابتياعِهِ، ولا يمنع نفسه لذَّةً، يسقط في المال سقوط من لا يعدُّ المال شيئاً، الذي لا يُرَى له عقلٌ في مالٍ. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: السَّفيهُ: الجاهلُ بالإِملاءِ، والضعيفُ: الأخرقُ. وقال أبو إسحاق: السَّفيهُ، الخفيفُ العقل، ومن هذا تَسَفَّهتِ الريحُ الشيءَ إذا حركته واستخفَّته، ومنه: مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ * أَعَالِيَهَا مَرُّ الرَّياح النَّواسِمِ وحكى غيرُه أن السَّفَه: كلُّ ما يقبح فعلُه أي هو فعلٌ ليس بمحكم، من قولهم: ثوبٌ سفيهٌ إذا كان متخلخلاً. فأما الضعيف فهو ـ واللهُ أعلمُ ـ الذي فيه ضعفٌ، من خَرَسٍ، أو هَرَمٍ، أو جنون. * ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾. في معنى هذا قولان: رَوَى سفيانُ عن يونس عن الحسن ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾. قال الضحاك: وليُّ السفيه الذي يجوز عليه أمره، فهو وليُّه أي يقوم بأمره ﴿بِالعَدْلِ﴾ هو الذي يُملي الحقَّ. والقولُ الآخرُ عن ابن عباس أن المعنى: فَلْيُمْلِلْ وليُّ الذي هو عليه. واحتجَّ بهذا القول من ذهب إلى نفي الحَجْر عن الأحرار، البالغين العقلاء، وهو مذهبُ محمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخعي. ثم قال عز وجل: ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾. قيل: من أهل ملتكم. * ثم قال تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾. أي ممَّن ترضون مذهبه. قال إبراهيم: ممَّن لم تظهر له ريبةٌ. * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ﴾. أي أن تَنْسى إحداهما فتذكِّرها الأخرى. ورُوي عن الجحدري ﴿أنْ تُضِلَّ﴾ أي تُنَسَّى، كما يقال: أُنسيتُ كذا. فأما ما رُوي عن ابن عُيينة من أنه قال: تُصيَّر شهادتهما بمنـزلة شهادة الذكر، فلا يعرفه أهل اللغة، وهو أيضاً خطأ، لأنه لو كان إنما معناه: نجعلها بمنـزلة الذِّكر، لم يُحتجْ إلى "أَنْ تَضِلَّ" لأنها كانت تجعلها بمنـزلة الذَّكر، ضَلَّتْ أو لم تَضِلَّ. ولا يجوز أن تصيِّرها بمنـزلة الذَّكر وقد نسيت شهادتها. وأما فتح "أَنْ" فنذكره في الإِعراب إن شاء الله. ثم قال عزَّ وجل: ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ روى ابن نجيح عن مجاهد قال: إذا دُعي ليشهدَ وقد كان أُشْهِد. وقال الحسن: وإذا ما دعوا ابتداءً للشهادة، ولا يأبوا إذا دُعوا لإِقامتها. قال أبو جعفر: قيل: قولُ الحسن أشبهُ، لأنه لو كان ذلك لهم لتويت الحقوق، ولأن بعده ﴿وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾ أي لا تملُّوا أن تكتبوا الحقَّ، كان كثيراً أو قليلاً، كما يُقال: لأعطينَّك حقَّك، صَغُرَ أو كَبُر. وقال الأخفش: ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ فأضمر الشاهد، قال وقال: ﴿إلَى أَجَلِهِ﴾ أي إلى الأجل الذي تجوزُ فيه شهادته، والله أعلمُ. هذا في كلام الأخفش نصاً. قال أبو جعفر: واختار محمدُ بن جريرٍ قول مجاهد، أن المعنى ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ أن ذلكَ، إذا كانت عندك شهادةٌ فدعيتَ، وهو قولُ سعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، والشعبي، والنَّخعي. قال محمد بن جرير: "لأن الله قد ألزمهم اسم الشهداء، وإنما يلزمهم اسم الشهداء إذا شهدوا على شيءٍ قبل ذلك، وغيرُ جائزٍ أن يُقال لهم "شهداء" ولم يشهدوا. ولو كان ذلك لكان الناس كلهم شهداء، بمعنى أنهم يشهدون، فصار المعنى: إذا ما دُعوا ليؤدُّوا الشهادة، وأيضاً فدخول الألف واللاَّم يدل على أن المعنيَّ بالنَّهي شخصٌ معلوم". * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾. قال سفيان: معناه أعدلُ، ثم قال ﴿وَأقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أي أثبتُ، لأن الكتابَ يُذكِّر الشاهدَ ما شهد عليه. * ثم قال تعالى: ﴿وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ﴾. أي لا تَشُكُّوا. ثم رخَّص في ترك الكتابة فيما يجري بين الناس كثيراً، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. * وقوله جل وعز ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾. فيه أقوال: ١- منها أن المعنى ـ على قول عطاء ـ لا يمتنعا إذا دُعيا. كما رَوَى ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بنِ دينارِ، عن عِكْرمة قال: كان عمر يقرأ "وَلاَ يُضَارِرْ كَاتِبٌ ولا شَهِيدٌ". وقال طاووس: لا يُضارِرُ كاتبٌ فيكتب ما لم يُمْلَلْ عليه. وقال الحسن: ولا يُضاررُ الشهيد أن يزيد في شهادته. ٢- ورُوي عن ابن عباس ومجاهد ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ قالا: نُهي أن يُجاء إلى الشاهد والكاتب، فيُدْعَيا إلى الكتابة والشهادة، وهما مشغولان، فيُضَارَّا، فيقال: قد أمَرَكما اللَّهُ ألاَّ تمتنعا، وهو مستغنٍ عنهما. والتقدير على هذا القول "ولا يُضَارَرْ" وكذا قرأ ابنُ مسعود. فنهى اللهُ جلَّ وعزَّ عن هذا، لأنه لو أطلقه لكان فيه شغلٌ عن أمر دِينهِما، ومعاشِهما. * ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. قال سفيان: ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ قال: معصيةٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.