الباحث القرآني

قوله عز وجل ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾. فيها أقوال: رُوي عن ابن مسعود، وأبي هريرةَ، وابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إلاَّ وُسْعَهَا﴾. إلاَّ أن عليَّ بن أبي طلحة روى عن ابن عباس أنه قال: لم تُنسخ، ولكنْ إذا جمع اللهُ الخلائق يقول: إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم، فأما المؤمنون فيخبرهم، ثُمَّ يغفرُ لهم. وأمَّا أهلُ الشكِّ والرَّيب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، فذلك قولُه عز وجل ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾. وهو قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ من الشكِّ والنفاق. وحدثنا أحمد بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمود بنُ غيلان، قال حدثنا وكيعٌ، قال حدثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآيةُ ﴿وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ دخل قلوبَهم منها شيء لم يدخلها من قبلُ، فقال النبي ﷺ: قولوا: سمعنا وأطعنا، وسلَّمنا. فألقى اللهُ الإِيمان في قلوبهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية وأنزل ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أَخْطَأْنَا]﴾ قال: قد فعلتُ ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرَاً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلتُ ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنا بِهِ، واعْفُ عَنَّا، واغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرينَ﴾ قال: قد فعلتُ". ورَوى إسماعيلُ بنُ أبي خالد عن الشعبي قال: "نسختها الآية التي بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. ورَوَى مِقْسمٌ عن ابنِ عباس: نزلت في الشهادة، أي في إظهارها وكتمانها. وقال مجاهد: هذا في الشكِّ واليقين. ورَوَى حمَّاد بنُ سَلَمةَ عن علي بن زيد، عن أُمَيَّة انها سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾ وسألْتها عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءَاً يُجْزَ بِهِ﴾ فقالت عائشة: ما سألني عنهما أحدٌ منذُ سألتُ عنهما رسول الله ﷺ فقال: يا عائشة: هذه معاتبةُ اللهِ العبدَ بما يصيبه [من الحُمَّى، والنكبة، والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه] فيفقدها، فيفزعُ لها، فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرجُ من ذنوبه، كما يخرج التِّبُر الأحمرُ من الكير". وقال الضحاك: "يُعلِمُهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ بما كان يُسِرُّه، ليعلَمَ أنه لم يَخْفَ عليه". وقيل: لا يكون في هذا نسخٌ لأنه خبرٌ، ولكنْ يُبَيِّنُهُ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فالمعنى ـ واللهُ أعلمُ ـ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من الكبائر، والذي رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابن عبَّاسٍ حسنٌ، والله أعلم بما أراد. فأمَّا ما رُوي عن ابن عباس من النسخ، فممَّا يجب أن يوقف على تأويله، إذْ كانتِ الأخبارُ لا يقع فيها ناسخ ولا منسوخ. فإن صحَّ فتأويلُه أن الثاني مثلُ الأول، كما تقول: نسختُ هذا من هذا. وقيل: فيه قولٌ آخرُ، يكون معناه: فأُزيلُ ما خالَطَ قلوبَهُمْ من ذلك وبُيِّن.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.