الباحث القرآني

وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾. ثم قال بعدُ ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْربُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلَى﴾. فيُقَالُ: كيف يكونُ له ضَرٌّ وقد قال: "مَا لاَ يَضُرُّهُ"؟ فالجوابُ أن المعنى: يدعو لَمَن ضرُّ عبادتهِ. فإن قيل: كيف قال ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع له؟ فالجواب: أن العرب تقول لِمَا لا يكون البتَّةَ: هذا بعيدٌ، مثلُ قوله تعالى ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وفي الآية أجوبةٌ من أجل اللاَّم: فأكثرُ النحويِّين يذهب إلى أنها في غير موضعها، وأن المعنى: يدعو مَنْ لَضَرُّه أقربُ من نفعه. وقال أبو العباس: في الكلام حذفٌ أي يدعو لمن ضرُّه أقربُ من نفعه إلهاً. وقيل: ﴿يدعو﴾ ههنا بمعنى "يقول" كما قال عنترة. يَدْعُوَن عَنْتَرَ وَالرِّمَاحُ كأَنَّهَا * أَشْطَانُ بِئْرٍ في لَبَانِ الأَدْهَم وقال أبو إسحاق: يجوز أن يكون "يدعو" في موضع الحال، وفيه هاءٌ محذوفة، ويكون خبر "مَنْ" ﴿لَبِئْسَ المَوْلَى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾. قال الفراء: يجوز أن يكون "يدعو" خبرَ "مَنْ" ويكون ﴿لَبِئسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ مكرَّرة على ما قبلها. ولأبي إسحق قولٌ آخر ـ وزعم أن النحويِّين أجازوه ـ قال: يكون ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى "الذي" أي الذي هو في الضَّلالُ البعيد ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّه﴾ كما قال تعالى ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ يَا مُوْسَى﴾؟ وأنشد: عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إِمَارَةٌ * أَمِنْتِ وَهَذَا ـ تَحْمِلينَ ـ طَليقُ وحكى الفراء: أنه يجوز في هذا شيءٌ لم يتقدَّم به أثرٌ، وهو "يَدْعُوْ لِمَنْ ضَرُّهُ" بكسر اللاَّم، بمعنى يدعو إلى مّنْ ضَرُّهُ، كما قال سبحانه ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ أي إلى هذا. قال أبو جعفر: والآيةُ مشكلةٌ لدخول اللاَّمِ، وإنَّ الحُذَّاقَ من النحويِّينَ، يمنعون أن يُنوى بها تقديمٌ أو تأخيرٌ، لأنها لا تُصرف، وأن يكون ﴿يَدْعُو﴾ بمعنى "يقولُ" حسنٌ، والخبرُ محذوفٌ أي يقول لَمَنْ ضرُّه أقربُ من نَفْعِهِ لهِ.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.