الباحث القرآني

وقوله جلَّ وعزَّ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾. خبرُ "إِنَّ" محذوفٌ. والمعنى: إن الذين كفروا هلكوا، كما قال: "إنَّ مَحَلاً وَإِنَّ مُرْتَحَلاً" * ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ﴾. وحَكَى أبو حاتم أنَّ بعضهم قرأ ﴿سَوَاءً﴾ بالنَّصبِ، "العَاكِفِ فِيهِ وَالْبَادِي" بالخفضِ. والمعنى: الذي جعلناه للنَّاس، العاكِف والبادي. قال مجاهد: العَاكِفُ: النَّازلُ، والبادي: الجائي. وقال الحسنُ وعطاءٌ: العَاكِفُ: من كان من أهل مكة، والبادي: من كان من غير أهلها. قال مجاهد: أي هما في تعظُّمَهما وحُرْمتهما سَوَاءٌ. وقال عطاء: أي ليس أحدٌ أحقَّ به من أحد. وتأوَّل عمرُ بنُ عبدِالعزيز الآية، على أنه لا يُكرَى بيوتُ مكة. ورُوي عن عمر بن الخطَّاب: أنه كان يَنْهي أن تُغْلق دورُ مكة في زمن الحجّ، وأن النَّاسَ كانوا يَنـْزِلون منها حيثُ وجدوه فارغاً. وظاهرُ القرآنِ يدلُّ على أنَّ المراد "المسجدُ" كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ لأنهم كانوا يمنعون منه، ويَدَّعون أنهم أربابه، وإنما ذكرَ المسجدَ ولم يذكر دور النَّاسِ ومنازلَهم. وقيل: هما في إقامة المناسك سواء. وقيل: ليس لأحدهما فضلٌ على صاحبه. * ثم قال جل وعزَّ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. رَوَى مُرَّةُ عن عبدالله بن مسعود قال: لو أنَّ رجلاً همَّ بخطيئةٍ لم تُكتب عليه.. ولو همَّ بقتلِ رجلٍ بمكة وهو بـ "عَدَنَ أَبْيَن" لعذَّبه اللهُ جلَّ وعزَّ، ثمَّ قرأ ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ورَوَى هُشَيْمُ عن الحجَّاج عن عطاء ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ قال: مَنْ عَبَد غيرَ الله جلَّ وعزَّ. وقال مجاهد: من عمل بسيِّئة. وقال حَبيبُ بن أبي ثابت: هم المحتكرو الطَّعامِ بمكة. وأبينُ ما قيل فيهِ: أن معنى﴿بإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ لكل معصية، لأن الآية عامَّةٌ. قال أبو جعفر: أصلُ الإِلحادِ في اللغةِ: الميلُ عن القصد، ومنه سُمِّي اللَّحْدُ، ولو كان مستوياً لقيل: ضريح. ومنه قوله سبحانه ﴿وَذَرُوْا الَّذِينَ يُلْحِدُوْنَ في أَسْمَائِهِ﴾ يُقال: لَحَدَ، وأَلْحد، بمعنى واحد، هذا قول أهل اللغة، إلاَّ الأحمر فإنه حكى أنه يُقال: أَلْحدَ إذا جادل، وَلَحدَ إذا عَدَل ومَالَ. قال سعيد بن مَسْعَدة: الباء زائدة، والمعنى: ومن يُرد فيه إلحاداً بظلمٍ. وهذا عند أبي العباس خطأٌ، لأنه لا يزاد شيءٌ لغير معنى. والقولُ عنده أن يريد ما يدلُّ على الإِرادة. فالمعنى: ومَنْ إرادَتُه بأن يُلحِدَ بظلمٍ، كما قال الشاعر: أُريدُ لأَنْسَى ذكْرَهَا فَكَأَنَّما * تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ وحكى الفرَّاءُ: عن بعض القُرَّاء ﴿وَمَنْ يَرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ من الورود. وهذا بعيدٌ، لأنه إنما يُقال وَرَدْتُه، ولا يكاد يُقال: وردتُ فيه.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.