الباحث القرآني

وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. رَوَى أبو إسحقَ عن ابي الأَحْوصِِ عن عبدالله قال: القُرْطُ، والدُّمْلُجُ، والسِّوارُ. * ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. في هذا اختلافٌ. رَوَى أبو الأحوص عن عبدالله قال: الثِّيابُ. وهذا مذهبُ أبي عُبَيْدٍ. ورَوَى نافع عن ابن عمر قال: الوجهُ، والكفَّان. ورَوَى سعيدُ بنُ جُبير عن ابن عباس قال: الوجهُ، والكفُّ. وبعضُهم يقول عن ابن عباس: الكُحْلُ، والخِضَاب، وكذلك قال مجاهدٌ، وعطاء. ومعنى الكحلِ والخِضَابِ، ومعنى الوجهِ والكفِّ، سواءٌ. ورَوَثْ أمُّ شبيبٍ عن عائشة قالت: القُلْبُ، والفَتَخَةُ. والفَتَخَةُ: الخاتَمُ، وجمعُها فَتَخٌ، وفَتَخَاتٌ. قال أبو جعفر: وهذا قريبٌ من قولِ ابنِ عمرَ، وابنِ عباس، وهو أشبهُ، بمعنى الآيةِ من الثِّيباب، لأنَّه من جنس الزينة الأُولى. وأكثرُ الفقهاء عليه، أَلاَ ترى أنَّ المرأة يجب عليها أن تستر في الصَّلاةِ كلَّ موضعٍ منها يراه المرءُ، وأنَّه لا يظهر منها إلاَّ وجْهُهَا وكفَّاها؟! والقُلْبُ: السِّوارُ، قال ذلك يحيى بن سلمان الجُعْفيُّ. وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. يعني النِّساءَ المسلمات. ولا يجوز أن يُبْدين ذلك للمشركاتِ، لقوله سبحانه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. فيه أقوالٌ: الأول: أنَّ لهنَّ أن يُبْدين ذلكَ لعبيدهنَّ، وأن يَرَوْا شُعُورهنَّ، وهذا القولُ معروفٌ من قولِ عائشةَ، وأمّ سَلَمة. جَعَلتَا العبدَ بمنـزلةِ المَحْرَمِ في هذا، لأنَّه لا يحلُّ أن يتزوَّج بسيِّدته ما دام مملوكاً لها، كما لا يحلُّ ذلك لذوي المحارم. ويُقوِّي هذا قولُه سبحانه ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ ملكَتْ أيمانُكُم، والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ منكُمْ﴾. والقولُ الثاني: أنه ليس لعَبِيدهنَّ أن يَرَوْا منهنَّ، إلاَّ ما يرى الأجنبيُّ. كما رَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عبَّاس أنه قال: ولا ينظر عبدُهَا إلى شَعرَها، ولا نَحْرِها، وأمَّا الخلخال فلا ينظُر إليه إلاَّ الزَّوجُ. وهو مذهب عبدالله بن مسعود، ومجاهد، وعطاء، والشعبي. ورَوَى أبو مالك عن ابن عبَّاس خلافَ هذا، قال: يَنْظُر العبدُ إلى شعر مولاته، ويكون التَّقديرُ على القول الثاني ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنََّ﴾ غير أولي الإِرْبَة، أو التابِعينَ غير أولي الإِربة، ثم حُذف كما قال الشاعر: نَحْنُ بِمَا عنْدَنَا وأنْتَ بِمَا * عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ على أن يزيدَ بن القعقاع وعاصماً قَرَءَا ﴿غَيْرَ أُوْلي الإِرْبَةِ﴾ بنصب غيرَ، فعلى هذا يجوز أن يكون الاستثناء منهما جميعاً. والقولُ الثالث: أن يكون ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنََّ﴾ للإِماء خاصَّةً، قال ذلك سعيد بن المسّيب، وقيل: الصِّغارُ خاصَّة. قال أبو جعفر: هذا بعيدٌ في اللغة، لأن "ما" عامة. وقولُه جلَّ وعز: ﴿أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِِ﴾. قال عطاء: هو الذي يَتْبعُك، وهمُّهُ بطنُه. رَوَى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو المغَفَّلُ، وقيل: الطِّفلُ. وقال الشعبي: هو الذي لا أَرَبَ له في النساء. وقال عكرمة: هو العِنِّينُ. وهذه الأقوال متقاربةٌ، وهو الذي لا حاجة له في النساء، نحو الشيخ الهَرِم، والخُنْثى، والمَعْتوهِ، والطِّفلِ، والعِنيِّنِ. والإِرْبَةُ والأَرَبُ: الحاجةُ، ومنه حديث (وأيّكُم أَمْلَكُ لأَرَبه من رسولِ الله ﷺ)؟ ومن رواه "لإِرْبه" فقد أخطأ، لأنه يقال: قطَّعتهُ إِرْباً، إرْباً، أي عُضْواً، عُضْواً. وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ﴾. الطِّفلُ ههنا بمعنى: الأطفال، يدلُّ على هذا قوله ﴿ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ﴾ أي لم يُطيقوا ذلك، كما تقول: ظَهَر فلانٌ على فلانٍ، أي غَلَبه وقَوِىَ عليه. * ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾. قال أبو الجوزاء: كنَّ يضربن بأرجلهنَّ لتبدوَ خلاخيلُهنَّ. وقال أبو مالك: كنَّ يجعلن في أرجلهنَّ خَرَزاً، ويحرِّكنْهَا حتى يُسْمعَ الصَّوتُ. قال غيرُه: فَنُهِينَ عن ذلك، لأنه يحرِّكُ من الشهوة.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.