الباحث القرآني

وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراًً﴾. قيل: هذا على الحضِّ والنَّدبِ، لا على الحتْمِ والوجوبِ، ولولا الإِذنُ لَمَا علمنا أنَّ ذلك يجوز. وكِتَابٌ، ومُكَاتبةٌ بمعنى واحد، كما يُقال: قِتَالٌ، ومُقَاتلةٌ. * ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾. قال أبو جعفر: في هذا اختلافٌ. قال الحسن: أي دِينَاً وأمانةً. وقال إبراهيم النَّخعي: أي صِدْقاً ووفاءً. وقال عبيدة: إن أقاموا الصلاة. وقال سعيد بن جبير: إن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير. قال أبو جعفر: وأجمعُها قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْر، لأنه إذا أراد بذلك الخير استعمل الوفاء، كما يستعمل أهلُ الدين والوفاء، والصدق والأمانةِ، ومن يقيمُ الصلاةَ ويرى لها حقاً. وفي الآية قولٌ آخر. قال مجاهد وعطاء: الخيرُ ههنا: المالُ. وهذا بعيدٌ جداً، لأنه كان يجب على هذا أن يقول: "إن علمتم لهم خيراً". وأيضاً فإن العبد مالٌ لمولاه، فكيف يُقال: إن علمتم لهم مالاً؟ وقال أشهبُ: سُئِلَ مالِكٌ عن قوله جلَّ وعزَّ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ فقال: إنه ليُقال "الخيرُ" القوَّةُ، والأداءُ. قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حسنٌ، أي قوَّةً على الأحترافِ والاكتساب، ووفاءً بما أوجب نفسه، وصِدْق لَهْجة، فأمَّا المالُ وإن كان من الخيرِ، فليس هو في العبد، وإنما يكون عنده أَوْ لَهُ. * ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ﴾. قال أبو جعفر: في هذا ثلاثةُ أقوال: أحدها: أن يكون على الحضِّ والنَّدبِ. كما رَوَى ابنُ بُرَيدة عن أبيه، قال: حثَّهم على هذا. ويُروى هذا عن عُمَر، وعثمانَ، والزبير، وعن إبراهيم النَّخَعي. ويكون المعنى: وأعطوهم ما يستعينون به على قضاءِ الكتابةِ، بدفع إليهم، أو بإسقاطٍ عنهم. والقولُ الثاني: أن يُسْقِط المكاتِبُ عن مُكاتَبِهِ شيئاً محدوداً. رُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ قال: الرُّبُع، وكذا قال مجاهد. وعن ابن مسعود قال: الثُّلُثُ. والقولُ الثالث: قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: يضعُ عنه شيئاً من كتابته، ولَم يُحدُّوه. قال أبو جعفر: قيل: أَوْلاَها القولُ الأول، لجلالةِ من قال به. وأيضاً: فإنَّ قوله تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ﴾ معطوفٌ على قوله ﴿فَكَاتِبوهُمْ﴾ فيجب في العربية أن يكون مثلَه على الحضِّ والنَّدب. وأيضاً فإن قولَ "عليٍّ" عليه السلام: الرُّبُع، وقولَ عبدالله: "الثُّلُث" لا يوجب أن يكون ذلك حتماً واجباً، ويحتمل أن يكون على النَّدب. وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾. قال مجاهد: نزلت في "عبداللهِ بنِ أبيِّ بنِ سَلُول" أَمَرَ أَمَتَه أن تزني، فجاءته بِبُرْدٍ، فأمرها أن تعود إلى الزنى فأبتْ، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾. ورَوَى أبو سفيان عن جابر وعكرمة عن ابن عباس قال: نزلت في "عبدالله بن أبيٍّ" أكرَهَ أمَتَه على الزِّنى، فأنزل الله جل وعز ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾. ويُسْألُ عن قولهِ جلَّ وعزَّ ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾. فالجواب أن المعنى: ولا تُكرهوا فتياتكم على البِغَاءِ البتَّة. وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلِّقٌ بقوله سبحانه ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى منكُمْ.. إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَاً﴾. ومعنى قوله ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ لتبتغوا أجورهن مما يَكْسَبْن. وقولُه تعالى ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال مجاهد: فإن اللهَ للمُكْرَهَاتِ من بعد إكراههن غفورٌ رحيم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.