الباحث القرآني

وقوله جل وعزَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ، إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكََ﴾ [آية ٤ و ٥]. قال أبو جعفر: في هذه الآية ثلاثة أحكامٍ على القاذف: منها جَلْدُهُ. وترك قبولِ لشهادتِهِ. وتفسيقُهُ. وفيها ثلاثةُ أقوال: أحدها: قاله الحسنُ، وشُرَيْحٌ، وإبراهيمُ: أنَّ الاستثناء من قوله ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ وقالوا: لا تُقبلُ شهادتُه وإن تابَ، وهذا قول الكوفيِّين. والقولُ الثاني: أن يكون الاستثناءُ من قوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ أي إلاَّ من تاب، فإنه تُقبل شهادتُه. وهذا قولُ مسروقٍ، وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وطاووسَ. ويُروَى عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة: إنْ تُبْتَ قبلتُ شهادتك، وهذا قول أهل المدينة. والقولُ الثالث: يُروى عن الشعبيِّ أنه قال: الاستثناءُ من الأحكام الثلاثة. فإذا تاب، وظهرتْ توبتهُ لم يُحدَّ، وقُبِلت شهادتُه، وزالَ عنه التَّفْسيقُ، لأنه قد صار ممَّن يُرْضَى منَ الشُّهداء، وقد قال الله عز وجل ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاًَ ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال أبو جعفر: يجوز أن يكون الاستثناءُ من قوله ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ كما ذكرنا في القول الأول، ويكون ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نَصْبٍ، إلاَّ أنه يجبُ أن يزول عنه اسم الفسوق، فيجبُ قبولُ شهادتِهِ، ويكون عَدْلاً. ويجوزُ أن يكون الاستثناء من قوله ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ ويكون ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع خفضٍ، بمعنى ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾ ويكون قبولُ شهاتِهِ أَوْكد، وهو أيضاً متعارفٌ عن عمرَ، فهو أَوْلى أيضاً لهذا. ويجوز أن يكون كما رُوي عن الشعبيِّ، إلاَّ أن الفقهاء على خلافه. وفي الكلام حذفٌ، المعنى: والذين يرمون المحصنات بالزنى، ثم حُذف لأن قبلَه، ذكرُ الزَّانيةِ والزَّانِي. والفائدةُ في قوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ أنَّ ﴿أَبَدَاً﴾ مقدارُ مدَّة حياةِ الرجل، ومقدارُ انقضاء قصَّتِه. فإذا قلت: الكافرُ لا تُقبلُ له شهادةٌ أبداً، فمعناه ما دام كافراً. وإذا قلت: القاذفُ لا تُقبل له شهادة أبداً: فمعناه ما دام قاذفاً. وهذا من جهة اللُّغةِ، وكلامُ العرب يؤكِّد قبولَ شهادتِهِ، وألاَّ يكون أسوأ حالاً من القاتل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.