الباحث القرآني

وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. حدثنا محمد بن جعفر الأنباريُّ، قال حدثنا زيد بن أجزم، قال أنبأنا بِشْرُ بن عمر الزَّهراني، قال حدثنا إبراهيم بنُ سعدٍ، عن صالح بن كيْسان، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان المسلمون يُوْعبون في النفير مع رسول الله ﷺ، فكانوا يدفعون مفاتحِهم إلى ضَمْنَاهم ويقولون: إن احتجتُمْ فكلوا، فيقولون: إنما أحلُّوه لنا عن غير طيب نفسٍ، فأنزل الله جلَّ وعزَّ ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُم جناح أَن تَأْكُلُواْ﴾ ﴿مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال أبو جعفر: "يوعبون": أي يخرجون بأجمعهم في المغازي. يُقالُ: أوعبَ بنو فلانٍ لبني فلان: إذا جاءوهم بأجمعهم ويُقال: بيتٌ وَعِيبٌ: إذا كان واسعاً، يستوعب كلِّ ما وُضع فيه. والضَّمْنَى: هُمْ الزَّمْنى، واحدُهم ضَمِنٌ، مِثْلُ زَمِنٍ. قال مَعْمَرٌ: سألتُ الزهريَّ عن قوله تعالى ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ما بالُ هؤلاء ذُكِرُوا ههنا؟ فقال: أخبرني عُبَيْداللهِ بنُ عبدِاللهِ، أنَّ النَّاسَ كانوا إذا خرجوا إلى الغَزْوِ، دفعوا مفاتِحَهُم إلى الزَّمْنَى، وأحلُّوا لهم أن يأكلوا ممَّا في بيوتهم، فكانوا لا يفعلون ذلك، ويَتَوَقَّوْن ويقولون: إنما أطلقوا لنا عن غيرِ طيبِ نفسٍ، فأنزل الله الآية ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾. قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا بيِّنٌ، أي ليس عليهم في الأكل شيء. والقولُ الآخر: قولُ ابنِ عباس، حدثناه بكرُ بنُ سهل، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاويةُ بن صالح، عن عليَّ بنِ أبي طلحةَ عن ابن عباس قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ﴾ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ وذلك لمَّا أنزل الله جلَّ وعزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ فقال المسلمون: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد نهى أن نأكل أموالنا بيننا بالباطلِ، والطَّعامُ هو منْ أفضلِ الأموالِ، فلا يحلُّ لأحدٍ منَّا أن يأكل عند أحدٍ، فكفَّ النَّاسُ عن ذلك، فأنزل اللهُ جل وعز بعد ذلك ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ وهو الرجلُ يوكِّلُ الرجلَ بضَيْعَتَهِ. قال أبو جعفر: والذي رخّص الله جلَّ وعز أن يُؤكل من ذلك: الطَّعامُ والتَّمرُ، وشربُ اللَّبنِ، وكانوا أيضاً يتَّقُون ويتحرَّجون أن يأكل الرجلُ الطعامَ وحده، حتى يكون معه غيرُه، فرَّخص اللهُ لهم، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾. قال أبو جعفر: فبيَّن ابنُ عباس في هذا الحديث، ما الذي رُخِّصَ لهم فيه من الطعام. وفي غير هذه الرواية عنه: أن الأعمى كان يتحرَّج أن يأكل طعامَ غيره لجعله يده في غير موضعه، وكان الأعرج يتحرَّج لاتّساعه في الموضع، والمريض لرائحته وما يلحقه، فأباح الله جلَّ وعز لهم الأكل مع غيرهم. وهذا معنى رواية صالح عنه. فأما قوله تعالى ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ ﴿آية ٦١]. فقيل معناه: من بيوت عيالكم. وقيل معناه: من بيوت أولادكم، لأن أولادهم من كسبهم، فنسيت بيوتُهم إليهم. واستدلَّ صاحب هذا القول، بأنه ذكَرَ الأقرباء بعدُ، ولم يذكر الأولادَ. ومعنى "إخوانكم" و "إخوتكم" واحدٌ. وفي غير رواية معاوية عن ابن عباس {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ يعني: العبيدَ. وقيل: يعني الزَّمْنَى أُبيح لهم ما خزنوه من هذا للغُزَاة. وقرأ سعيد بن جُبير ﴿أَوْ مَا مُلّكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ بضم الميم وتشديد اللام. وقال مجاهد: كان الرجل يذهب بالأعمى، وبالأعرج، وبالمريض إلى بيت أبيه، أو غيره من الأقرباء، فيتحرج من ذلك ويقول: هو بيتُ غيره، فنـزلت هذه الآية رخصة. وقيل: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾ أي في الغزو، وكذا الأعرجُ المريضُ. ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾. أي من بيوت أنفسكم، لأنه قد كان يجوز أن يُحْظَر ذلك، لأنه قد يكون في بيت الرجل ما ليس له. وكان يجوز أن يُحْظَر عليه مالُ غيره، وإن أُذِن له، فأُبيح ذلك لهذا، إذا أَذِنَ له أحدٌ من هؤلاء. وذكر فيهم الخاصُّ والعامُّ، لأن قوله ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ عامٌّ. وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. رَوَى عَمْرُ بنُ دينارٍ عن ابن عباس ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَاً﴾ قال: المساجد. ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ يقول: السَّلامُ علينا وعلى عباد الله الصَّالحين. وقال أبو مالك: إذا دخلتم بيوتاً ليس فيها أحدٌ من المسلمين، فقولوا: السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصَّالِحينَ. وقال ماهان: إذا دخلتَ بيتاً ليس فيه أحدٌ، فقلْ: السَّلامُ علينا من ربِّنا. وقال الحسن: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ ليسلِّم بعضكُمْ على بعض. كما قال تعالى ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال الضحاك: فسلِّموا على أهليكم وغيرهم. قال أبو جعفر: قولُ الحسن في هذا قولٌ صحيحٌ في اللغة، والمسلمُ من المسلم بمنـزلة نفسِهِ، لأنَّ دينَهُما واحدٌ، وعلى كل واحدٍ منهما نُصْحُ صاحبِهِ، وقال الشاعر: * "قد جعلتُ نفسي في الأديم" * يعني الماءَ: لأنَّ الماءَ به العيشُ، فجعله نَفْسَه، فكذلك المسلمُ يطمئنُّ إلى المسلم كما يطمئنُّ إلى نفسِهِ. والأَوْلَى أن يكون لجميع البيوت، لأن اللفظ عامٌّ، والمعنى: فلْيحييِّ بعضكُم بعضاً، تحيَّةً من عند اللهِ مباركةً طيِّبةً. ثم خبَّر أن السَّلام طيِّبٌ مباركٌ فقال ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.