الباحث القرآني

قال عزَّ وجل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ﴾. والمعنى: قد كان لكم علامةٌ من أعلامِ النبي ﷺ، لأنه أنباهم بما لم يَكن. والفِئَةُ: الفِرْقةُ، من قولهم: فَأَوْتُ رأسه بالسيف، وفَأَيْتُه أي فلقتهُ. قرأ أبو عبدالرحمن: ﴿تُرَوْنَهُمْ مِثلَيْهِمْ﴾ بضمِّ التاء. وروى عليُّ بنُ أبي طلحةَ ﴿يُرَوْنَهُمْ﴾ بضمّ الياء. ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله جلَّ وعز ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا﴾. وقال: محمدٌ ﷺ وأصحابُه، ومشركو بدر. وأنكر أبو عمروٍ أن يُقْرَأ "تُرَوْنَهُمْ" بالتاء، قال: ولو كان كذلك لكان "مِثْلَيْكُم". قال أبو جعفر: وذا لا يلزمُ، ولكنْ يجوز أن يكون مثلَيْ أصحابكم. قال ابن كيسان: الهاءُ والميمُ في "تَروَنْهُمْ" عائدةٌ إلى ﴿وأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ والهاءُ والميمُ في "مِثْلَيْهِمْ" عائدة إلى ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وهذا من الإِضمار الذي يدلُّ عليه سياق الكلام، وهو قولُه ﴿والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فدلَّ على أن الكافرين كانوا مثليْ المسلمين في رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤيةُ ها هنا لليهود. قال: ومن قال "يَرَوْنَهُمْ" بالياء جعل الرؤية للمسلمين، يرون المشركين مثليهم، وكان المسلمون يوم بدر ثلثمائة وأربعةَ عشر، والمشركون تسعَ مائة وخمسين، فأُرِيَ المسلمون المشركين ضعفهم، وقد وعدهم أن الرجل منهم يغلب الرجلين من المشركين فكانت تلك آية، أن يروا الشيء على خلاف صورته، كما قال تعالى ﴿وَإذْ يُريكُمُوهُمْ إذِ الْتَقَيْتُم فِي أَعْيُنِكُمْ قَليَلاً، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهمْ، لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾. قال ابن اسحاق: ليؤلف بينهم على الحرب، للنِّقمة ممن أراد الانتقام منه، والإِنعام على من أراد إتمام النعمة عليه، من أهل وِلاَيته. قال الفراء: يحتمل "مِثْلَيْهِمْ" ثلاثةَ أمثالهم. قال أبو إسْحَاقَ: وهذا بابٌ الغلطُ فيه غَلَط "بَيِّنٌ" في جميع المقاييس، لأنَّا إنما نعقِلُ مثلَ الشيءِ مساوياً له، ونعقل مثلَيْهِ ما يُساويه مرَّتين. وقال ابنُ كَيْسَانَ الأَزْديُّ: كيف يقع المثلان موقع ثلاثة أمثال؟ إِلاَّ أنّي أحسبه جعل ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ راجعة إلى الكل، ثم جعل المثلين مضافاً إلى نصفهم، على معادلة الكافرين المؤمنين، أي يرون الكلَّ مثليهم، لو كانَ الفريقان معتدلين. قال: والرَّاءون ها هنا: اليهودُ، وقد بيَّن الفراء قوله بأن قال: كما تقول: وعندك عَبْدٌ، أحتاجُ إلى مِثْلَيْه، فأنت محتاجٌ إلى ثلاثة. وكذلك عنده إذا قلتَ: معيَ درهمٌ، وأحتاج إلى مثليه، فأنت تحتاج إلى ثلاثة، مثلَيْه والدرهم، لأنك لا تريد أن يذهب الدرهم. والمعنى يدلُّ على خلاف ما قال، وكذلك اللغةُ. فإنهم إذا رأوهم على هيأتهم، فليس في هذه آية، واللغةُ على خلاف هذا، لأنه قد عُرف بالتمييز معنى المِثْلِ. والذي أوقع الفراء في هذا، أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر، فتوهمَّ أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلاَّ على عادتهم، فتأوَّل أنك إذا قلتَ: عندي درهمٌ، وأحتاج إلى مثله، والدرهمُ بحاله، فقد صرتَ تحتاج إلى درهمين، وهذا بينٌ، وليس المعنى عليه، وإنما أراهم الله إياهم على غير عِدَّتهم، لجهتين: إحداهما: أنه رأى الصلاح في ذلك، لأن المؤمنين تَقْوى قلوبهم بذلك. والأخرى: أنه آيةٌ للنبي ﷺ.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.