الباحث القرآني

قوله جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. رُوِيِ عن ابن عبَّاس: المحكماتُ: الثلاثُ الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْل مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى ثلاث آيات، والتي في بني إسرائيل ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيَّاهُ﴾. قال: والمتشابهُ: ما تشابَهَ عليهم نحو "الۤمۤ" و "الۤمۤر". وقال يحيى بن يعمر: المحكماتُ: الفرائضُ، والأمرُ، والنهيُ، وهنَّ عِمادُ الدين، وعِمَادُ كل شيءٍ أمُّه. وقال مجاهد وعكرمة: نحْوَاً من هذا، قالا: ما فيه من الحلال والحرام، وما سِوَى ذلك فهو متشابهٌ، يُصدِّقُ بعضُه بعضاً. وقال قتادة نحوه، قال المحكم ما يُعملُ به. وقال الضحاك: المحكماتُ: الناسخاتُ، والمتشابهاتُ: المنسوخات. وقال ابن عباس: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يعني ما نُسِخَ وما لم ينسخ. قال ابنُ كَيْسَان: إحكامُها: بيانُها وإيضاحُها، وقد يكون إيجابُها وإلزامها، وقد يكون أنها لا تحتمل إلاَّ معاني ألفاظها، ولا يَضِلُّ أحدٌ في تأويلها. ويجمع ذلك أنَّ كلَّ محكمٍ تامُّ الصَّنعة، وقد يكون الإِحكام ها هنا المنعُ من احتمال التأويلات، ومنه سُميت حَكَمَهُ الدابَّة لمنعها إيَّاها. قال: "وَمَتَشَابِهَاتٌ" يحتمل أن يُشْبه اللفظُ اللفظَ ويختلف المعنى، أو يشتبه المعنيان، ويختلف اللفظ، أو يشتبه الفعلُ منَ الأمر والنهي، فيكون هذا نحو الناسخ والمنسوخ. وقيل: المتشابهاتُ ما كان نحو قوله تعالى (ثَلاَثَةَ قُرُوْء). وأجمع هذه الأقوال أن المحكم ما كان قائماً بنفسه، لا يحتاج إلى استدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه، واحتاج إلى استدلال. وقال الله عز وجل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ وقد قال: ﴿كِتَابٌ أَحْكِمَتْ آياتُه﴾، وقال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد قال: ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾؟ فالجواب أن معنى ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ جُعلت كلُّها محكمه، ثم فُصِّلت، فكان بعضُها أمَّ الكتاب، وليس قولُه ﴿مِنْهَ آيَاتٌ مُحْكَماتٌ﴾ بمزيل الحكمةَ عن المتشابهات، وكذا ﴿كِتَاباً مُتَشابهَاً﴾ وليس قوله ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابَهاتٌ﴾ بمزيل عن المحكمات أن تكون متشابهات في باب الحكمة، بل جملته إذ كان محكماً لاحقة لجميع ما فُصِّل منه، (وكتاباً متشابهاً) أي متشابهاً في الحكمة، لا يختلف بعضُه مع بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْرِ اللهِ لَوَجَدوُا فِيهِ اخْتِلافَاً كَثِيراً﴾. وقد بينَّا معنى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ بأقاويل العلماء فيه. وهذا معنى قول ابن عباس أنَّها ما أوْجَب الله على عباده من أحكامه اللاَّزمة، التي لم يلحقها تغييرٌ ولا تبديلٌ. وقد يكون المحكم ما كان خبراً، لأنه لا يلحقُه نسخٌ، والمتشابهُ: النَّاسخُ والمنسوخُ، لأنهم لا يعلمون منتهى ما يصيرون إليه منه. وفي ذلك حكمة، وبعضهُ يشبهُ بعضاً في الحكمة. وقال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ ولم يقل: أُمُّهات. قال الأخفش: هذا حكاية. قال الفراء: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ لأن معناهنّ شيءٌ واحد. قال ابن كيسان: وأحسب الأخفش أراد هذا، أي هنَّ الشيء الذي يُقال: هو أُمُّ الكتاب، أي كل واحدةٍ منهن يقال لها: أمُّ الكتاب، كما تقول: أصحابك عليَّ أسَدٌ ضَارٍ، أي كل واحد كأسدٍ ضارٍ، لأنهم جَرَوْا مجرى شيء واحد في الفعل. ومنه ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ لأنَّ شأنهما واحدٌ، في أنها جاءت به من غير ذَكَرٍ، وأنَّه لا أَبَ له، فلم تكن الآية لها إلاَّ به، ولا له إلاَّ بها، ولم يُرِدْ أن يفصله منها فيقول: آيتين. وكذلك ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ إنَّما جعلهنَّ شيئاً واحداً، في الحكمة والبيان، فذلك الشيء هو أمُّ الكتاب. * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. "روى أَيُّوبُ عن ابن أبي مُلَيْكَةَ عن عائشة عن النبي ﷺ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: فإذا رأيتم الذين يجادِلون فيه، فهم أولئكَ فاحذروهم". قال ابن عباس همُ الخوارج. وقال أبو غالب: قال أبو أمامة الباهليُّ ـ ورأى رؤوساً من رؤوس الخوارج ـ فقرأ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ثم قال: هو هؤلاء، فقلت: يا أبا أمامة أشيئاً سمعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ أم شيئاً قلتَهُ من رأيك؟ فقال: إني إذاً لجريءٌ ـ يقولها ثلاثاً ـ بل سمعتُه من رسول الله ﷺ غير مرَّة، ولا مرَّتين، ولا ثلاث. قال مجاهد: الزيغُ: الشكُّ، وابتغاء الفتنةِ: الشبهاتُ. وقيل: إفسادُ ذاتِ البَيْنِ. وقد ذكرنا تصرف الفتنة. والتأويلُ: من قولهم: آل الأمْرُ إلى كذا، أي صار إليه، وأوّلته تأويلاً صيَّرتُه إليه. قيل: الفرقُ بين التأويل والتفسير، أن التفسير نحو قول العلماء: الرّيبُ: الشك، والتأويلُ نحو قول ابن عباس: الجدُّ أبٌ، وتأمّلَ قولَ اللهِ (يَا بَنِي آدَمَ). * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. في هذه الآية اختلاف كبير. منه: أن التَّمام عند قوله (إلاَّ اللَّهُ) وهذا قول الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبي عُبَيْد، وأبي حاتم. ويُحْتَجُّ في ذلك بما روى طاووس عن ابن عباس أنه قرأ "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلهُ إلاَّ اللهُ، ويقول الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ آمَنَّا بِهِ". وقال عمر بن عبدالعزيز: انتهى علمُ الراسخين في العلم إلى أن قالوا: آمنَّا به. قال ابن كيسان: التأويلُ في كلام العرب: ما يؤول إليه معنى الكلام، فتأويله ما يرجع إليه معناه، وما يستقرُّ عليه الأمر في ذلك المشتبه، هل ينجح أم لا؟ فالكلام عندي منقطع على هذا. والمعنى: والثابتون في العلم، المنتهون إلى ما يُحاط به منه، ممَّا أباح الله خَلْقَه بلوغَه، يقولون آمنَا به على التَّسليمِ، والتصديق به وإن لم ينتهوا إلى علم ما يؤول إليه أمره. ودلَّ على هذا ﴿كُلٌ مِن عِنْد ربّنا﴾ أي المحكمُ والمتشابه، فلو كان كلُّه عندهم سواء، لكان كله مُحْكَماً، ولم يُنْسَب شيءٌ منه إلى المتشابه. قال أبو جعفر: وهذا قول حسنٌ، ولكنَّه على قول من قال: المحكمُ الذي لا يُنْسخُ نحو "الأخبارِ" ودعاءِ العباد إلى التوحيد، والمتشابهُ ما يحتملُ النسخَ من الفرائض، لم يكن إلى العباد علمُ تأويله، وما يثبتُ عليه. ومَنْ جَعَل "تَأْوِيلَهُ" بمعنى التفسير، لأنه ما يؤول إليه معنى الكلام، فالراسخون في العلم عنده يعلمون تأويله. كما رَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد: الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنّا به. قال مجاهد: قال ابن عباس: أنا ممَّنْ يعلمُ تأوِيلَهُ. قال أبو جعفر: والقولُ الأولُ وإن كان حَسَناً، فهذا أَبْيَنُ منه، لأن واوَ العطف الأَوْلى بها أن تُدخِلَ الثانيَ، فيما دخل فيه الأولُ، حتى يقعَ دليلٌ بخلافِهِ. وقد مدح اللهُ عزَّ وجل الرَّاسخين، بثباتهم في العلم، فدلَّ على أنهم يعلمون تأويله. وقد قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾؟ وفي الحديث عن النبي ﷺ أنَّه دعا لابن عباس فقال: "اللهمَّ فَقِّهْهُ في الَّدينِ، وعَلِّمْهُ التأويلَ". وقال أبو اسحاق: معنى "ابتغائِهم تأويله" أنهم طلبوا تأويل بعثهم، وإحيائهم، فأَعْلمَ اللهُ عز وجل أن تأويل ذلك، ووقته لا يعلمهُ إلاَّ الله. قال: والدليلُ على ذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأوْيلُهُ﴾ أي يوم يرون ما وُعِدوا به من البعث والنشور والعذاب ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أي تركوه ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ﴾ أي قد رأينا تأويل ما أَنْبأَتْنَا بِهِ الرسُّلُ. قال: والوقفُ التامُّ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ أي لا يعلم أحد متى البعث "غيرُ الله".
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.