الباحث القرآني

قوله عز وجل: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأهل مكة: ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾. وفسَّر ذلك مجاهد فقال ﴿مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ الحَرَمُ كلُّه، فذهب إلى أن من آياته "الصَّفَا" و "المروةُ" و "الركنُ" و "المقام". ومَنْ قرأ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ فقراءتهُ أبينُ لأنَّ الصفا والمروةَ من الآيات، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحاً. ومنها أن الجارح يتبع الصَّيْد، فإذا دخل الحرم تركه، ومنها إن الغيث إذا كان ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان ناحية الشامي كان الخصب بالشام، وإذا عمَّ البيتَ كان الخصبُ في جميع البلدان. ومنها إن الجِمَارَ على ما يُزاد عليها تُرى على قدرٍ واحد. والمَقَامُ من قولهم: قُمْتُ مُقَامَاً، فأمَّا قولُ زهير: وَفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهَا * وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُها القَوْلُ وَالفِعْلُ فمعناه: فيهم أهلُ مَقَامَاتٍ. وقولُه عز وجل: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾. قال قتادة: ذلك من آياتِ الحرم أيضاً. وذا قولٌ حَسَنٌ لأن الناس كانوا يُتَخطَّفون من حَوَالَيْه، ولا يصلُ إليه جبَّارٌ، وقد وُصلَ إلى بيت المقدس وخُرِّبَ ولم يُوصل إلى الحرم، قال اللهُ عز وجل: ﴿أَلَمْ تَر كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيل﴾. ورَوَى الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: من أصاب حدَّاً في الحرم أقيم عليه، وإن أصابَ خارج الحرم، ثمَّ دخلَ الحَرَمَ، لم يُكلَّم، ولم يُجَالَس، ولم يُبَايع، حتى يخرج من الحرم، فيقامُ الحدُّ عليه. وقال أكثرُ الكوفيين: ذلك في كل حدٍّ يأتي على النَّفس. وقال قومٌ: الأَمانُ ههنا للصَّيدِ. وأولاَهَا القولُ الأولُ، ويكون على العموم، ولو كان للصَّيد لكان "وَمَا دَخَلَهُ" ولم يكن ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾. قال قتادةُ: وإنَّما هو ومن دخله في الجاهلية كان آمناً. * وقوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾. وقال ابن الزبير: من وَجَد قُوَّةً وما يتحمل به. وقال سعيد بن جبير: الزَّادُ، والراحِلةُ. وروى حماد بن سلمة عن حميد وقتادة عن الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله ما السبيل إليه؟ قال: الزادُ والرَّاحلة. السبيلُ أصله: الوصولُ، ومنه قيل للطريق سبيل، فالمعنى عند أهل اللغة: من استطاع إلى البيت وصولاً، كما قال إخباراً ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيل﴾؟ * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ﴾. أكثرُ أهل التفسير على أن المعنى: مَنْ قالَ إنَّ الحجَّ ليس بواجبٍ فقد كَفَر. ورَوَى وكيعٌ عن فِطْرٍ عن نُفَيعٍ أبي داود، أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن هذه الآية ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "من حجَّ لا يرجو ثوابه، وجلس لا يخاف عقابه، فقد كفر به". وقال الشعبي: السبيلُ ما يسره اللَّهُ عز وجل. وهذا من حَسَن ما قيل فيه، أي على قدر الطاقة، والسبيلُ في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج بغير مانعٍ، من زمانةٍ، أو عجزٍ، أو عدوٍّ، أو تعذُّرِ ماءٍ في طريقه، فعليه الحج، ومن مُنِعَ بشيءٍ من هذه المعاني، فلم يَجِدْ طريقاً، لأن الاستطاعة القدرة على الشيء. فمن عجز بسبب فهو غير مطيق عليه، ولا مستطيع إليه السبيل. وأَوْلَى الأقْوال في معنى ﴿وَمَنْ كَفَر﴾ ومن جحد فرض الله، لأنه عقيب فرض الحج.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.