الباحث القرآني

وقوله جلَّ وعز: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾. في هذه الآية أقوال: أ- منها أن المعنى: على أهل السموات. ويكون معنى ﴿عَرَضْنَا﴾ أظهرنا، كما تقول: عرضتُ المتاع. ويكون ﴿فَأبَيْنَ﴾ على لفظ الأول، لأنهم لم يحملوها كلهم، ويكون المعنى: فأبوا أن يقبلوها. ﴿وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ أي تكلَّفها، وكلُّهم قد كُلِّفها. ب- وقيل: لمَّا حضرت آدَم ﷺ الوفاةُ، أُمِرَ أن يَعْرِض الأمانةَ على الخَلْقِ، فعرضها فلم يقْبلهَا إلاَّ بنوه. ج- وقول ثالث هو الذي عليه أهل التفسير: حدثنا بكرُ بنُ سَهْلٍ، قال: حدثنا أبو صالح عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ﴾ قال: الأمانةُ: الفرائضُ، عَرَضها اللهُ على السَّمواتِ والأرضِ والجبالِ، إن أدَّوْها أَثابهم، وإن ضيَّعوها عَذَّبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصيةٍ، ولكنْ تعظيماً لدين اللهِ جلَّ وعزَّ، ألاَّ يقوموا به، ثم عرضها على آدم، فقَبِلها بما فيها وهو قوله تعالى ﴿وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ غِرَّاً بأمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ. وقال مجاهد: عَرَض اللهُ الثواب والعقاب، على السَّمواتِ والأرضِ والجبال، فأبيْنَ ذلكَ، وأشفقْنَ منه، وقيل لآدم فقبِلَه، فما أقام في الجنة إلاَّ ساعتين. وقال سعيد بنُ جُبَيرٍ: عُرضت الفرائض على السَّمواتِ والأرضِ والجبالِ، فأشفقن منها وامتنعن، وقَبِلَها آدم ﷺ. وقال عبدالله بن عمر: عُرض على آدم الثوابُ والعقاب. وقال الضحَّاك: الأمانةُ: الطَّاعةُ، عُرِضتْ على السموات والأرض والجبال، إن خالفْنَها عُذِّبن، فأبيْنَ، وحملها الإنسانُ. وقال قتادة: عُرضت الفرائضُ على الخلق، فأبَيْن إلاَّ آدم ﷺ. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال وهي أقوال الأئمة من أهل التفسير، تُتأوَّلُ على معنَيَيْنِ: أحدهما: أن الله جلَّ وعزَّ جعل هذه الأشياء ما تُميِّز به، ثم عرض عليها الفرائض، والطاعة، والمعصية. والمعنى الآخر: أن الله جلَّ وعزَّ ائتمن ابن آدم على الطاعة، وائتمنَ هذه الأشياءَ على الطَّاعةِ والخضوع، فخبَّرنا أن هذه الأشياء لم تحتمل الأمانةَ، أي لم تَخُنْها، يُقال: حملَ الأمانةَ، واحتملها، أي خَانَها، وحَمَل إثمها. وقيل المعنى: وحملها الإنسانُ ولم يقم بها، فحُذِف لعلم المخاطَبِ بذلك فقال جلَّ وعزَّ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيِنَ﴾ وقال ﴿وَإنَّ مِنْها لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ﴿وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ أي خانها وحمل إثمها. قال الحسن: ﴿وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ أي الكافر والمنافق. قال أبو جعفر: وقول الحسن يدلُّ على التأويل الثاني، ويدلُّ عليه أيضاً قوله ﴿لِيُعَذَّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ والمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ، وَيتُوبَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنيِنَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ عَفُورَاً رَحِيمَاً﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.