الباحث القرآني

ثم قال عز وجل ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال وهبٌ: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ أي على ديني ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ والعربُ تَكْنِيِ عن المرأة: بالنَّعْجَةِ، والشَّاةِ، كما قال الشاعر: فَرَميْتُ غَفْلةَ عَيْنِهِ عنْ شَاتِهِ * فَأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِهَا وَطِحَالَهَا وفي قراءة ابنِ مسعود: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى﴾. و "كان" ههنا مثل قوله ﴿وكان اللهُ غَفُورَاً رَحِيمَاً﴾ فأما قوله "أنثى" فقيل: هو على جهة التوكيد. وقيل: لمَّا كان يُقال: هذه مائةُ نعجةٍ، وإن كان فيها من الذكور شيءٌ يسير، جاز أن يُقال: أنثى، ليُعلم أنه لا ذكر فيها. * ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. قد جاءت أخبارٌ وقِصصٌ في أمر "داودَ" ﷺ و "أُوْريَا" وأكثرُهَا لا يصحُّ، ولا يتَّصلُ إسناده، ولا ينبغي أن يُجترأَ على مثلها، إلاَّ بعد المعرفة بصحتها. وأصحُّ ما رُوي في ذلك ما رواه مسروقٌ عن عبدالله بن مسعود قال: "ما زادَ دَاوُدُ ﷺ على أن قال ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي انزْل لي عنها". وَروَى المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ما زادَ داودُ أن قال ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي تحوَّلْ لي عنها، وضُمَّها إليَّ". قال أبو جعفر: فهذا أجلُّ ما رُوي في هذا. والمعنى عليه: أن داود عليه السلام سأل "أُوْريَّا" أن يُطلِّق له امرأته، كما يسأل الرجلُ الرجلَ أن يبيعه جاريته، فنبَّههُ اللهُ جلَّ وعزَّ على ذلك وعاتَبَه، لمَّا كان نبياً، وكان له تسع وتسعون، أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا، وبالتزيُّد منها، فأما غيرُ هذا فلا ينبغي الاجتراءُ عليه. ومعنى ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ إنزلْ لي عنها، واجعلني كافِلَها. قال الضحاك: ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾ أي قهرني. وفي قراءة عبدالله ﴿وَعَازَّنِي﴾. قال أبو جعفر: يُقال: عازّه اي غالبه، وعزه أي علبه. قال الحسن: أي قَهَرهُ في المحاورة. قال أبو جعفر: ومنه قولهم "من عزَّ بزَّ". ومنه قول زهير: * "فَعَزَّتْه يَدَاهُ وَكَاهِلُهُ" *
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.