الباحث القرآني

وقوله جل وعز ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ﴾. الْقِسْطُ والإِقْسَاطُ: العَدْلُ، يُقالُ: أَقْسَطَ يُقْسِطُ إِقْسَاطَاً، إذا عَدَلَ، وَقَسَطَ يَقْسِطُ، إذا جَارَ. * ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾. المعنى: إن يكن المشهودُ له غنياً، فلا يمنعْكُم ذلك مِنْ أَنْ تشهدوا، وإن يكن المشهودُ عليه فقيراً، فلا يمنعْكُم ذلك من أن تشهدوا عليه. فإن قيل: كيف يقوم بالشهادة على نَفْسِهِ؟ وهل يشهد على نَفْسِهِ. قيل: يكونُ عليه حَقٌ لغيره فِيُقِرَّ له به، فلذلك قِيَامُهُ بالشهادة على نَفْسِهِ. أَدَّبَ اللهُ عز وجل [بهذا] المؤمنين، كما قال ابن عباس رَحِمَهُ اللهُ: أُمِرُوْا أَنْ يقولُوا الحقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. ثم قال عز وجل: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ﴾. المعنى: فلا تَتَّبعوا الهوى لأن تعدلوا، وأَدُّوْا ما عندكم من الشهادة. فهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللُّغَةِ. ويجوز أن يكون المعنى فلا تَتَّبِعُوا الهَوَى كَرَاهَةَ أَنْ تعدلوا، لأنه إذا خالف الحقَّ، فكأنه كَرِهَ العَدْلَ. * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. رَوَى قَابوسُ بنُ أبي ظِبْيانٍ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "هو في الخصمَيْن، يتقدَّمان إلى القاضي، فيكونُ لَيُّهُ لأَحَدِهِمَا، وإعراضُهْ عن الآخر" وقال مجاهد: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ أي تُبَدِّلُوْا ﴿أَو تُعْرِضوُا﴾ تَترُكُوْا. فمَذهَبُ ابنِ عباسٍ أنّ اللَّيَّ من الحاكِمَ، ومَذْهَبُ مجاهدٍ أنه من الشَّاهِدِ. وكذلك قال الضحاك: هو أن يَلْوِيَ لِسَانَهُ عن الحقِّ في الشهادة، أو يُعْرضَ فيكتمها. وأصلُ لَوَى في اللغة: مَطَلَ. وأنشد سيبَوَيْهِ. قَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بها حَسَّانَا * مَخَافَةَ الإِفلاَسِ والَّليَانَيا وقُرِىءَ: ﴿وَإِنْ تَلُوْا أَوْ تُعْرِضُوْا﴾. وفيه قولان: أحدهما للكسائي، قال: والمعنى من الولاية، وإن تلُوا شيئاً أو تدعوه. وقال أبو إسحاق: من قرأ: (وَإِنْ تَلُوْا) فالمعنى على قراءته وإن تَلْوُوْا، ثم هَمَزَ الوَاوَ الأَولَى فصارت تَلْؤُوْا. كما قال: يقال: أَدْؤُرٌ في جمع دارٍ، ثم أَلْقَى حَرَكَةَ الهمزة على اللام، وحذف الهمزة فصارت تَلُوْا، كما يقال: آدُرٌ في جمع دار.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.