الباحث القرآني

وقوله عز وجل: ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ﴾. هذه الآية منسوخةٌ. قال ابن عباس: كان الأمرُ كذا حتى نزلت الآيةُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. فأمَّا معنى الآيةِ المنسوخةِ، فإن سُفْيَانَ، والسُّدِّيَّ قالا: "كان الثَّيِّبُ إذا زَنَا حُبِسَ حتَّى يموتَ، وكان البكرُ إذا زَنَا سُبَّ بالقَوْلِ". إلاَّ أن الفائدة في الآية أنه كان لا يُقبل في الزِّنَا إلاَّ أربعةٌ. وزعم مجاهد أن قوله: ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ أنها كانت خاصَّةً على النِّساءِ دون الرجال، والَّتي بعدها على الرجال خاصة، وهي ﴿وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوْهُمَا﴾ بالسَّبِّ، ثم نُسِخَتَا بالحدِّ المفروض، هذا معنى قوله. قال أبو جعفر: وهذا الصحيح في اللغة الذي هو حقيقةٌ، فلا يُغَلَّبُ المذَكَّرُ على المؤنث إلا بدليلٍ. فأما معنى ﴿أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ فإن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رَوَى أنَّ النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مائةٍ والرجمُ". قيل: هذا الحديثُ منسوخٌ، وهو أن الثَّيِّبُ لا جَلْدَ عليه وإنما عليه الرجمُ، ونَسَخَ هذا الحديثَ حديثُ الزهري عن عُبَيْدِالِله [بن عبدالله] عن أبي هريرة وزيد بن خالد "أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن ابني كان عسِيْفاً لهذا، وإنه فسَقَ بامرأتِهِ، فافتديتُ منه، ثم خُبِّرْتُ أنَّ على ابني جَلْدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ، وعلى امرأته الرجم، فقضى رسول الله ﷺ أن يُرَدَّ عليه ما أُخذ منه، وأن يُجلدَ ابنهُ مِائَةً ويُغَرَّبَ عاماً، وتُرْجَمَ المرأةُ، ولم يأمرْ بجلدها". ويقال: إن حديث عُبَادةَ كان في الابتداء، وإن التغريبَ لا يجبُ، إلا أن يراه السلطانُ، لأنه يجوز أن يكون التغريبُ منه ﷺ لشيء عَلِمَهُ من المجلود. وقولُ [علي] بن أبي طالب رضي الله عنه إنَّ على الثيِّبَ الجلْدَ والرجمَ، هو قولُ أهلِ النظر، لأنه لم يتبين نَسْخُ الجَلْدِ مع الرجم، فالجَلْدُ ثابتٌ وعليه غيرُ دليلٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.