الباحث القرآني

وقَوْلُهُ جلَّ وعَزَّ: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾. قال عليٌ وابنُ عباسٍ وأبو سعيدِ الخُدْريُّ: هن ذواتُ الأزواج لا تحِلُّ واحدةٌ مِنهُنَّ إلاَّ أَنْ تُسْبَى. قال عبدالله بن عباس: نكاحُ ذواتِ الأزواجِ زِنَا إلا أنْ تُسْبَى، وقد كان لها زوجٌ فَتَحِلُّ بِمِلّكِ اليمين. وقولٌ آخرُ: أنهنَّ الإِماءُ ذواتُ الأزواج، إذا استُؤنف عليهنَّ المِلْكُ، كان فاسخاً لنكاحهنَّ. رُوي هذا عن ابن مسعودٍ، وأُبِّي بنِ كَعْبٍ، وجابرٍ، وأَنَسَ. وقول ثالثٌ: قال أبو عبيدة: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأربع. وأحسنُها الأولُ، لحديث أبي سعيد الخدري: "أصبْنَا سَبْيَاً يوم أوطاس، ولهن أزواج، فكَرِهْنَا أن نقع عليهن، فسألنا رسول الله، فنـزلت هذه الآية، فَاسْتَحْلَلْنَاهُنَّ". * وقوله جل وعز: ﴿كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أي فَرْضَ اللهِ عليكم. وَقُرِىءَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ عليكم﴾ أي فَرَضَ اللهُ تحريم هؤلاء: ولم يَقُلْ: إنه لا يحرمُ عليكم سِوَاهُنَّ. وقد صَحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمَّتِهَا، ولا على خالتها". وصَحَّ عنه ﷺ أنه قال: "يَحْرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ". وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ﴾. ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ أي ناكحين. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِيْنَ﴾. قال مجاهد: أي غير زانين. وأصلُه من سَفَحَ، إذا صَبَّ، كما قال الشاعر: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُهَا * فَهَل عِنْدَ رَسْمٍِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ فَسُمِّيَ الزنا "سِفَاحَاً" لأنه بمنـزلة الماءِ المصبوب. * وقوله جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهَنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. في معنى هذه الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخة. ورُويَ عن سعيد بن المسيِّبِ ذلك. ورَوَى عكرمةُ بن عمار عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إن الله جَلَّ وعَزَّ حَرَّمَ أو أَهْدَرَ المُتعةَ بالطَّلاقِ، والنِّكاحِ، والعِدَّةِ، والميراثِ". وَرَوَى مالك عن الزهري أن عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب ـ رحمة اللهِ عليهم ـ والحسنَ بنَ محمد بن علي، أخبراهُ أن أباهما أخبرهما أنه سَمِعَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه يقول لابنِ عباسٍ: "إنك رَجُلٌ تائِهٌ، إن رسول الله ﷺ نَهَى عن المتعة". وقالت عائشة: حرَّمَ اللهُ المتعة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوْجِهِمْ حَافِظُوْنَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. والدليل على أن "المُسْتَمْتَعَ بها" غيرُ زوجةٍ، أنها لو كانت زوجةً لَلَحِقَها الطَّلاقُ، وكان عليها عِدَّةُ الوفاةِ، ولَحِقَ وَلدُها بأبيه ولتوارثا. ومعنى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المَهْرُ. والدليلُ على ذلك أنَّ بعده ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فهذا بإجماعٍ: المَهْرُ. ورُوي عن أُبِّي بنِ كعبٍ وابنِ عباسٍ أنهما قَرَءَا: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾. والقولُ الآخرُ: أنَّ هذا ليس من المُتْعَةِ. وقال الحسنُ ومجاهدٌ: هو من النكاح. فالمعنى ﴿فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من النكاح. أي إن دَخَلتُمْ بها فَلَها المَهْرُ، ومَن لَمْ يَدْخُل كان عَلَيْهِ نصفُ المَهْرِ. والدليلُ على أن هذا هو القول الصحيح قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ﴾. أي إن وهب لها النصفَ الآخَرَ [فلا جُنَاحَ] وإِنْ وَهَبَتْ له النصفَ فلا جُنَاحَ. ثم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي هو عليمٌ بما فرض عليكم في النكاح.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.