الباحث القرآني

وقوله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾. أي قُدْرَةً على المهر. والطَّوْلُ في اللغةِ: الفَضْلُ، ومنه تَطَوَّلَ اللهُ علينا. والطُّولُ في القامةِ فَضْلٌ، والطِّوَلُ: الحَبْلُ، ويقال أُكَلَّمُهُ طَوَالَ الدَّهر. وفي قوله عز وجل: ﴿أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾ قولان: أحدهُما: أَنَّهُنَّ العَفَائفُ. والآخر: أنهنَّ الحَرَائِرُ. والأشبه أَنْ يَكُنَّ الحرائر [لقوله]: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني المملوكات. والعربُ تقول للملوك فَتَىً، وللملوكةِ فتاة. ثم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾. في معنى هذا قولان: أحدهما: بنو آدم. والقولُ الآخرُ: إنكم مؤمنون فأنتم إخوةٌ. وإنما قيل لهم [هذا] فيما رُوي لأنهم في الجاهلية كانوا يُعَيّرُونَ بِالْهُجْنَةِ، ويُسَمُّون ابنَ الأَمَةَ هَجِيْنَاً، فقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾. وقوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ﴾ أي مُتَزَوِّجَاتٍ ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾. أي غير زانياتٍ ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. الخِدْنُ: الصديقُ، أي غَيْرَ زَانَيِاتٍ بوَاحِدٍ وَلاَ مَبْذُوْلاَتٍ. * ثم قال جل وعز: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾. قال الشعبي: معناه فإذا أَسْلَمْنَ. ورُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: الإِحصان: الإِسلام. ويُقرأ "فإذا أُحْصِنَّ". قال ابن عباس: تُزوِّجن، إذا كانت غير متزوجة. وقال الزهري: معناه فإذا تُزوِّجْنَ، قال الزهري: تُحدُّ الأَمَةُ إذا زنت وهي متزوجةٌ بالكتاب، وتُحدُّ إذا زنت ولم تتزوج بالسُنَّة. والاختيارُ عند أهل النظر "فَإِذَا أُحْصِنَّ" بالضمِّ، لأنه قد تقدَّم ذكرُ إسلامهنَّ في قولِه عز وجل ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾. فَدَلَّ ذلك على أن الإِحصان الثاني غير الإِسلام، فالاختيارُ على هذا ﴿أُحْصِنَّ﴾ بالضم، أي تُزُوِّجْنَ. وقيل: ﴿أَحْصَنَّ﴾ تَزَوَّجْنَ، وَذَا أَولَى لأنه قال: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾، فَيَبْعُدُ أن يقول: فإذا أَسْلَمْنَ. * ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾. يعني نِصْفَ الحدِّ، ويعني بالمحصنات ههنا الأبكار الحراير لأَنَّ الثَّيِّبَ عليها الرَّجْمُ ولا يَتَبَعَّضُ. قيل: وإنما قيل لِلبِكرِ مُحْصَنَةٌ، وإن لم تكن متزوجةً، لأنَّ الإِحصان يكون لها، كما يقال: أُضْحِيَةٌ قبل أن يُضَحَّى بها، وكما يقال للبقرة: مُثِيْرَةٌ قبل أن تُثِير. وقيل: "المحصَنَاتُ" المتزوجاتُ، لأنَّ عليهنَّ الضربَ والرجْمَ في الحديث، والرجمُ لا يَتَبَعَّضُ، فصار عليهن نصفُ الضَّربِ. * ثم قال جَلَّ وعَزَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال الشعبي: يعني الزنا. والعَنَتُ في اللُّغةِ: المشَقَّةُ، يقال: أَكَمَةٌ عَنُوْتٌ، إذا كانت شاقَّةً. * ثم قال جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. أي وأن تصبروا عن نكاحِ الإِماءِ خيرٌ لكم، وإنما شَدَّدَ في الإِماء، لأن وَلَدَ الرجُلِ منها يكون مملوكاً، وهي تُمْتَهَنُ في الخدمةِ، وهذا شَاقٌّ عَلَى الزوج.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.