الباحث القرآني

وقولُه عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ﴾. يقال: أَقْسَطَ الرجلُ: إذا عدل، وقَسَطَ: إذا جار. فكأنَّ "أَقْسَطَ" أزال القُسُوطَ. فأما معنى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾. أحدهما: أن ابن عباس قال فيما رُويَ عنه: قُصِر الرجلُ على أربعٍ من أجل اليتامى. وَرُوِيَ عن جماعة من التابعين شرحُ هذا القول. ورُوِيَ عن مجاهد والضحاك وقتادة، وهذا معنى قولهم: إن المسلمين كانوا يسألون عن أمر اليتامى لمَّا شُدِّدَ في ذلك، فقال جَلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ﴾. أي فكما تخافون في أمر اليتاَمَى، فخافوا في أمر النساء إذا اجْتَمَعْنَ، أنْ تعجزوا عن العدل بينهن. والقول الآخر: رواه الزهري عن عروة عن عائشة قال: سألتُ عائشة عن قول الله جل وعز: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حِجْر وليها، فيعجبُهُ مالُها وجمالُها، فيريد تزوُّجَها بغير أَنْ يُقْسِطَ في صداقها، فيُعْطيهَا مثلَ ما يُعْطيها غيره. فَنُهُوا أَنْ ينكحوا اليتامى إذا خافوا، وأُبِيحَ لهم من النساء أربعٌ، قالت عائشة: [ثم] إن الناسَ اسْتَفْتَواْ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِيْ النِّسَاءِ قُلِ اللـهُ يُفْتِيْكُمْ فِيْهِنَّ﴾ الى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوْهُنَّ﴾. قالت: والذي ذَكَر اللهُ أنه يُتْلى عليكم في الكتاب الآيةُ الأولى التي فيها ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ قالت: وقوله: ﴿وَتَرغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبةُ أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلةَ المال والجَمَال، فَنُهُوْا أن ينكحوا مَنْ رغبوا في مالها وجمالها، من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهنَّ. وأهلُ النظر على [هذا] القول. قال "أبو العباس" محمد بن يزيد: التقدير: وإن خفتم أَلاَّ تُقسطوا في نكاح اليتامى، ثم حُذِف هذا، وَدَلَّ عليه ﴿فَٱنكِحُواْ﴾. وقد قال بالقول الأول جماعة من أهل اللغة، منهم "الفرَّاءُ" و "ابنُ قتيبة". والقولُ الثاني أعلى إسناداً، وأجودُ عند أهل النظر. وأما مَنْ قال معنى ﴿مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ تِسْعٌ، فلا يُلْتفتُ إلى قوله، ولا يصحُّ في اللغة، لان معنى (مثنى) عند أهل العربية: اثنتين، اثنتين، وليس اثنتين فقط. وأيضاً فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون معناه تسعاً، لأنه لو كان معناه تسعاً لم يكن اختصاراً أن يقال: انكحوا اثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، لأن تسعاً أخصرُ من هذا. وأيضاً فلو كان على هذا القول: لَمَا حَلَّ لأحد أن يتزوج إلا تسعاً أو واحدةً، فقد تبيَّن بطلان هذا. وقوله عز وجل: ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ﴾. ﴿أَدْنَىٰ﴾ بمعنى أقربُ. ورَوَى عمر بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ، في قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ قال: "أن لا تَجُوْرُوْا". وقال ابن عباس والحسن وأبو مالك ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: معنى ﴿أَنْ لاَ تَعُولُواْ﴾ أَنْ لا تميلو. وقال أبو العباس ـ في قولِ من قال: ﴿أَنْ لاَ تَعُولُواْ﴾ من العِيَالِ ـ: هذا باطلٌ وخطأٌ، لأنه قد أَحَلَّ مِمَّا ملكت اليمين، ما كان من العدد، وهنَّ مما يُعَالُ. وأيضاً فإنه إنما ذكر النساءَ وما يَحِلُّ منهن، والعدلَ بينهنَّ والجَوْرَ، فليس لـ "أَنْ لاَ تَعُولُوا" من العيالِ ههنا معنىً، وهو على قول أهل التفسير: أن لا تميلوا ولا تجوروا. ومنه: عَالَتِ الفريضةُ، إذا زادت السِّهَامُ فَنَقصَ مَنْ لَهُ الفرض، ومنه: مُعَوّلَتي على فلانٍ، أي أنا أميل إليه وأتجاوز في ذلك، ومنه: "عالني الشيء" إذا تجاوز المقدارَ، ومنه: فلانٌ يُعَوِّل، والعويلُ: إنما هو المجاوزة. وأيضاً فإنه إنما يُقال: أعال الرجُلُ يُعِيْلُ: إذا كَثُرَ عِيَالُهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.